ليس هناك حزب في السودان لم ينشق على نفسه ومنها ما انشطر لمجموعة أحزاب, وفي التاريخ القريب غادر الخاتم عدلان البلاد سرا وعاد الحاج وراق إلى العلن ليشكلا معا حركة القوى الجديدة الديمقراطية (حق) وبهذا أعلنا انفصالهما عن الحزب الشيوعي، بعد أن كانا يشاركان سكرتيره العام محمد ابراهيم نقد الاختباء تحت الأرض, ومنذ أسابيع قام عدلان ووراق بفصل احدهما الآخر لتصبح هناك ثلاثة أحزاب من رحم الماركسية. وهذا أيضا ينطبق على حزب الأمة الذي يتزعمه الصادق المهدي رئيس الوزراء السابق الذي يتحسس طريقه للرجوع إلى البلاد, فقد قام ابن عمه ولي الدين الهادي المهدي بتأسيس حزب الأمة الإسلامي حيث يسعى لاستقطاب القاعدة الدينية للحزب إلى جانبه, كما ان أستاذ الاعلام النور جادين هرع إلى سجل أحزاب التوالي السياسي لانشاء حزب الأمة في غياب ورفض الصادق المهدي لمثل هذا التسجيل المرتبط بقيود السلطة, وهناك أيضا الانشقاق الذي قاده الشريف زين العابدين الهندي الأمين العام للحزب الاتحادي الديمقراطي والذي يتزعمه محمد عثمان الميرغني رئيس تجمع المعارضة, والذي عاد إلى الوطن للمصالحة مع السلطة القائمة ليكتشف ان السلطة نفسها تبحث عن المصالحة بين أركانها, ونذكر هنا أيضا الانشقاق في حزب البعث العربي الاشتراكي بين بدر الدين مدثر ومحمد علي جادين وفي الحزب الناصري بين طه ميرغني وساطع الحاج والاخوان المسلمين بين صادق عبدالماجد وأبو نارو, أما عن الأحزاب والكيانات والجبهات في أوساط الجنوبيين فإن انشقاقاتها لا تعد ولا تحصى. من هنا يبدو في الظاهر ان الانقسام الحالي في الجبهة الاسلامية القومية ما بين مؤيد للدكتور الترابي أو مناصر للفريق عمر البشير يعد طبيعيا في الساحة السودانية, وان هذا الانقسام لن يقود إلا إلى صدام بين الجانبين وهو ما لم يحدث بين كافة القوى السياسية في السودان, حيث لم تسقط نقطة دم واحدة بين المنشقين العقائديين أو التقليديين كما حدث في دول كثيرة وما زال, بل ان نقطة الدم هذه لم تسقط بين الفرقاء السياسيين في الأحزاب المختلفة ولم تسجل في السودان حادثة اغتيال واحدة بين هذه القوى, أما مفكرة التاريخ في السودان فإنها تخلو تماما من الثأر السياسي, كما ان الجبهة القومية الاسلامية هذه المنقسمة الآن تولدت بانشقاق كبير من الاخوان المسلمين, وعلى هذا ظل الصراع بينهما فكريا وسياسيا. ولكن مع كل هذا فإن هناك محاذير كثيرة تقول باحتمال حدوث صدام دموي بين فرقاء الجبهة القومية الاسلامية, ذلك ان كل الانشقاقات التي حدثت بين الاحزاب وأيضا الاخوان المسلمين في السابق وقعت وجميعها خارج الحكم, أي لم يكن هناك صراع حول السلطة كما يحدث حاليا, ومن هنا فإن طرفي الانشقاق لم يكن في متناولهما السلاح أو المال وهما عاملان أساسيان لحسم أي صراع, أضف لهذين العاملين المؤثرين والمتوفرين لدى الطرفين سلطة ممتدة ومنبسطة بحجم المليون ميل مربع للسودان تضم أكثر من الف وزير وحاكم ولاية ومحافظ ورئيس محلية وشاغلي وظائف دستورية أو في مؤسسات بدرجة عالية, ولهذا اذا صرفنا النظر عن الخلاف الظاهر حول المنهج أو الحزب الحاكم أو السياسات فان السلطة بكل هيلمانها الحالي تظل مربط الفرس في النزاع الحالي مهما اجتهد الكثيرون في المداراة. هناك أيضا مؤشر آخر لاحتمال الصدام الدموي, انطلاقا من النموذج الذي يجري الآن في أفغانستان, والتي لم يكن حكامها الحاليون وقادتها الذين يقاتلونهم بعيدين عن كنف الجبهة القومية الاسلامية الحاكمة في السودان, ولا شك ان هناك (تشربا) حدث بين عناصر وكوادر الجانبين لكيفية المحافظة على السلطة بعد الوصول إليها, أضف إلى ذلك عوامل التحريض الخارجي من دول أعلنت صراحة انها ترغب في ازاحة الدكتور الترابي من السلطة, تقابلها في الجانب الآخر منظمات اسلامية عالمية لن تقبل باختفائه باعتباره رمزا يسعى لاقامة نموذج للدولة الاسلامية, ومن هنا فإن تجربة الجزائر لن تكون بعيدة عما سيحدث في السودان, ومن المؤشرات أيضا ان أي محاولة لاعتقاله سيعتبرها أنصاره (اهانة) لا يمكن السكوت عليها, خاصة وان الرجل الذي يتصف بالعناد يمكن أن يدخل في اضراب عن الطعام ينتهي به شهيدا للحركة الاسلامية مما سيثير حفيظة الاسلاميين المحايدين وهم كثر ويلحق الندم بخصومه الآخرين, ومن المؤشرات أيضا لاحتمالات الصدام إذا عمد معسكر البشير إلى السيطرة أو تجفيف المؤسسات والشركات المالية التي تغذي الحبل السري لمالية الحركة الاسلامية والتي أنشأها الدكتور الترابي قبل وصول النظام الحالي للسلطة ثم تشبعت وتشعبت في ظله, ونشير هنا إلى ما قالته صحيفة (ألوان) المساندة للدكتور الترابي (ان على الحزب الحاكم ان يستبصر جيدا ليدرك ان الشيخ الترابي أكبر حجما من فصله بقرار مهما كان رئاسيا, وهذا الرأي الذي عبر عنه عراب (الدبابين) وهم طلبة الحركة الاسلامية الذين يقاتلون إلى جانب القوات المسلحة, يمكن اسناده أيضا إلى ما جاء في الصحيفة بأنه حدثت مشادة بسبب حجب الاذاعة والتلفزيون لكلمة ممثل الطلاب في اجتماع (النفرة) لأنه طالب باحترام المؤسسية والشورى وابعاد المنافقين, كما ان طلاب الحركة الاسلامية المواظبين على صلاة الجمعة بمسجد جامعة الخرطوم اتهموا الشيخ الصافي جعفر بالنفاق عندما بدا في خطبة الصلاة أكثر تأييدا للفريق البشير. وبعد صدور قرارات تجميد نشاط الدكتور الترابي ونوابه في الامانة العامة للحزب الحاكم وأمناء الولايات, فإن هذا يعني الاغتيال السياسي للدكتور الترابي, ولن يبقى أمام معسكره سوى البحث عن تنظيم آخر أو العودة إلى السلطة بالقوة التي ستبدأ قطعا بتحريض كوادر الجبهة الاسلامية لاثارة الشارع.