يقطع التاجر الاسرائيلي موشيه فاردي كل يوم خميس بسيارته الطريق من مدينة (بني باراك) الإسرائيلية التي تسكنها غالبية يهودية متشددة إلى قرية ترمسعيا الفلسطينية قرب رام الله لاستلام البضاعة التي تعوّد على تسلمها منذ بضع سنين وهي القلنسوة اليهودية التي يعتمرها غالبية الإسرائيليين. وتعرف هذه القرية بأن سكانها الفلسطينيين الذين كانوا يعملون في الاصل بالزراعة قد هجروا مهنتهم ليعملوا في نسج القبعات اليهودية الصغيرة والتي تجد رواجاً وله عائد يفوق الزراعة, تلك المهنة التي بدأت تعاني جفاف المياه وقلة النقود لشرائها في زمن السلام. والغريب في الامر أن أسرا فلسطينية كثيرة في هذه القرية والقرى المجاورة لها في المناطق الفلسطينية التي تتمتع بحكم ذاتي فلسطيني, تعمل في نسج قبعات اليهود. ويستخدمها بالذات المتشددون والمتدينون من اليهود. وكما يقول التاجر الاسرائيلي (لا يعيرون ذلك اهتماماً المهم أنها مصنوعة جيداً وسعرها مناسب) . الحاج سلمان الحاجي (75 عاما) الذي يعيل في هذا العمر بناته الاربع هو أحد الذين يتعاملون مع فاردي. وهو لا يجد بداً من العمل في ذلك. ولان القبعات الدينية اليهودية تختلف حسب اختلاف الحزب الديني الذي ينتمي إليه اليهودي الذي سيرتديها, فإن تكلفة عملية النسج تختلف أيضاً. فمثلاً القبعات الدينية التي يرتديها أتباع التيارات الدينية الأرثوذكسية التي تنضوي تحتها أحزاب مثل شاس وايجودات يسرائيل وديجل هتوراه وحباد وغيرها من الاحزاب الدينية تتميز بأنها ذات لون اسود فقط لا تحتاج عملية نسجها إلى جهد كبير. وبالتالي فإن عملية نسج قبعة واحدة تكلف أربعة شواكل إسرائيلية (دولار أمريكي واحد) في حين أن أتباع التيار الديني الذي ينضوي تحت لوائه حزب (المفدال) وحركة (ميماد) وغيرها من الحركات الدينية المتشددة فيرتدون القبعات المزركشة التي تكلف سعراً أكبر نظراً للجهد والوقت الذي يستغرق من أجل إنجازها. متعهدو النسيج اليهود يتوجهون إلى القرى الفلسطينية نظراً لانخفاض تكلفة نسجها هناك مقارنة بالتكلفة في حال نسجها في مصانع النسيج الاسرائيلية, ويؤكد فاردي أن اليد العاملة (هنا رخيصة وماهرة ولا تشكو ولا تحتج وكذلك متوفرة) . ويأتي توجه تجار النسيج الاسرائيليين إلى القرى الفلسطينية كظاهرة بدأت بالانتشار منذ أيام الاحتلال الاسرائيلي وبقيت حتى الان. ويقوم أصحاب مصانع الملابس الاسرائيليون بإحضار القماش إلى أصحاب معامل النسيج في الضفة الغربية وقطاع غزة ومعها النموذج أو القصة المطلوبة للقلنسوة, ويتولى عمال فلسطينيون مهنيون عملية الخياطة. ويرى البعض في الاونة الاخيرة أن هذه العملية شهدت تراجعاً ملحوظاً وخاصة إقبال الاسرائيليين على معامل الخياطة الفلسطينية لا سيما بعد أنشأت الكثير من مصانع النسيج الاسرائيلية فروعاً لها في الاردن حيث أن العمالة الاردنية أرخص من العمالة في الاراضي الفلسطينية. كما أن إنتاج الملابس في الاردن يضيف لها ميزة تتمثل في القدرة على تسويقها بشكل افضل, وهذا أدى إلى إغلاق العديد من معامل الخياطة الفلسطينية. ويخشى البعض من أن يكون السباق القادم فلسطينياً - أردنياً على جائزة من سيكون الارخص في السعر ويحظى بقبول التاجر الاسرائيلي حتى يقبل الاخير أن ينسج له الفلسطينيون أو الاردنيون قبعته الدينية بسعر أرخص ومهارة أعلى ودون شكوى أو مطالب كثيرة. - د.ب.ا