بقلم: د. عزمي بشارة يوم الارض هو يوم عرب الداخل قبل 30 مارس 1976 لم يكن للمواطنين العرب يوم وطني. وقد اهدت الاقلية العربية في اسرائيل هذا اليوم لكافة ابناء شعبها الفلسطيني وامتها العربية.. وقد تجاوب الشعب الفلسطيني بجعل هذا اليوم يوما لتصعيد النضال ضد الاحتلال ويوما للذكرى والتذكر وتوثيق العلاقة مع عرب الداخل. ماذا يعني يوم وطني؟ انه يوم يخص العرب في هذه البلاد بمجملهم بغض النظر عن اماكن سكناهم وانتماءاتهم الاخرى العائلية والطائفية. مثل هذا اليوم يخص كل مواطن عربي في هذه البلاد بغض النظر عما اذا كان متورطا في هذه اللحظة تحديدا بمصادرة أرضه من قبل الدولة. وحتى يوم الارض 1976 لم يكن حول قضية تمس كل ابناء هذا الشعب مباشرة. فالمصادرة التي تم الاحتجاج عليها مباشرة كانت مصادرة اراضي المل قرب سخنين.. ولكن تيارا وطنيا من عرب الداخل رأى في هذه الخطوة استمرارا لعملية مصادرة الاراضي العربية المنتهجة منذ عام 1948, وتيارا آخر رأى فيها تجسيدا لجوهر الصراع مع الصهيونية (وهو الصراع على الارض منذ مئة عام), وتيارا ثالثا نظر اليها كمس بحقوق المواطنين العرب كمواطنين.. وقد توحدت كل هذه التيارات والامزجة في الاضراب العام ضد سياسة السلطة. ولكن كان هنالك تيار رابع وأساسي في حينه رفض الاضراب والتصعيد ودماء الشهداء هي التي كنست هذا التيار بشكله السافر واضطرته الى تكييف ذاته مع الاوضاع الجديدة في الوسط العربي. ولكن الطامة الكبرى ان السياسة العربية في الداخل كيفت ذاتها ايضا مع اسقاطات استيعاب هذا التيار. لقد بات يوم الارض يوما وطنيا لأولئك الذين وقفوا معه في 30 مارس 1976 وأولئك الذين وقفوا ضده.. وبذلك ربما كان هذا اليوم هو المؤسسة الوطنية الوحيدة (ولو الرمزية) القائمة لدى عرب الداخل. ومأساته الكبرى غياب مؤسسات وطنية فعلية تحوله الى يوم شامل فعلا يتضمن تصعيد الاحتجاج, وليس تصعيد الخطابات, كما يتضمن برنامجا تربويا دراسيا شاملا حول معاني هذا اليوم ومضامينه المتغيرة في كل عام, ولبحث اوضاع الاقلية العربية وعلاقتها بالدولة. لقد اشرنا في هذا الثلاثين من مارس الى مشروع (شارع عابر اسرائيل) .. الذي سيأتي على قسم كبير من احتياطي الاراضي العربية كموضوع عيني للاحتجاج يحول النضال ضد هذا المشروع الى قضية الجماهير العربية كلها وليس قضية اصحاب الاراضي فقط. كما اشرنا الى مسطحات القرى العربية والقرى غير المعترف بها كتعبير عن اشكالية العلاقة بين المواطنين العرب وارض الدولة. ومن السهل بالطبع التوصل الى البعد الوطني في هذا الصراع دون بذل جهد خاص. فالصراع على الارض كان البؤرة التي تكثفت فيها التناقضات مع الصهيونية.. ولا يستثنى من ذلك صراع العرب في هذه البلاد دفاعا عن ارضهم ضد سياسة التهويد, وضد التخطيط الرسمي للمدن والمواصلات والصناعة المساقة بدوافع ايديولوجية صهيونية اولها التوزيع الديموجرافي اليهودي المتناسق في كافة ارجاء الدولة وباعتبارات الامن والامن الاقتصادي والنمو الذي لا يأخذ نمو القرية العربية وحاجاتها بعين الاعتبار. ولكن عملية الاسرلة التي طالت كل شيء وصبغته بلونها تسربت ايضا الى قضية الارض.. ولا شك ان لموضوع الارض بعدا مطلبيا مدنيا متعلقا بمساواة المواطنين العرب فيما يتعلق بتوزيع قسائم الارض للبناء واسعار الاراضي في المناطق الصناعية وحق العربي ان يسكن في مدينة يهودية وليس بوسع المرء الا ان يتضامن مع هذا الشأن الحياتي اليومي وهذه الرغبة بالمساواة. ومع ذلك فإن مهمة يوم الارض ان يجدد البعد الوطني الذي بات يغيب في لغة المجالس المحلية العربية ولغة المواطنين الافراد, فلغة الشعب ذي العلاقة المباشرة بأرضه الوطنية تغيب عندما يغيب تنظيم الشعب كشعب, الشعب يطور اجندة وطنية جامعة ايضا فيما يتعلق بتخطيط ارضه. قرار المحكمة العليا الاسرائيلية الذي سمح لعائلة من باقة الغربية ان تسكن في قرية يهودية في وادي عارة خلافا لأنظمة الوكالة اليهودية التي تقصر حق السكن على اراضي الوكالة اليهودية وحق نقلها (ملكيتها) على اليهود فقط, هو قرار هام لانه يمنع التمييز القانوني ليس فقط من قبل الدولة بل ايضا من قبل المؤسسات التي تتعاقد معها الدولة. اي لانه لا يجوز للدولة ان تلقي بمهمة التمييز العنصري على مؤسسة اخرى, الانجاز هو انجاز مدني ليبرالي ولكنه لايحل قضية الارض كقضية وطنية بل يقصر وجود العرب في هذه البلاد على كونهم افرادا يسعون للمساواة كأفراد بواسطة المحكمة العليا مثلا. ولكن هذا القرار لا يمكن ابناء القرى المهجرة من العودة الى قراهم التي باتت اليوم ارض دولة وهو لا يعترف بحقهم وحق وارثيهم الفردي باسترداد اراضيهم لانه لا يعترف بهم كجماعة متضررة من سياسة التشريد والتهويد التي استهدفتهم كجماعة. لكي يصبح يوم الارض يوما وطنيا فعلا يجب تحويله الى يوم للتواصل بين عرب 1948 وعرب 1967 (كما يميز اللفظ العامي بين المواطنين العرب الفلسطينيين في الداخل وبين فلسطيني الضفة والقطاع) واذكر جيدا انه في يوم الارض الاول عام 1976 انه وبدون تخطيط وحالما وصلت الى مسامع اهلنا في الضفة والقطاع اخبار الصدامات والشهداء, انطلقت جماهير الضفة والقطاع باضراب ومظاهرات تضامن رائعة, لقد تعاملوا مع يوم الارض كأنه يومهم, ثم واصلوا هذا التقليد طيلة فترة الاحتلال. لم يتضامن ابناء الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع مع نضال عرب الداخل كنضال مطلبي مدني, بل تضامنوا مع النضال دفاعا عن الارض كقضية وطنية لان صراعهم ايضا هو في نهاية المطاف على تحرير الارض وتحرير الشعب. ويبدو ان مظاهر احياء ذكرى يوم الارض حاليا تتم بشكل متواز وليس بشكل متصل والبعد الوطني هو القادر على توحيد المسارات, فهل هذه اضغاث احلام تجاوزها الواقع المنفصل, ام ان البعد الوطني مازال حيا يرزق.