بقلم: الرئيس الأمريكي بيل كلينتون أنطلق, في الاسبوع الحالي, إلى جنوب آسيا لزيارة بنجلاديش والهند وباكستان. وأود, في هذا المقال, أن أناقش أسباب زيارتي هذه وما آمل تحقيقه خلالها. يتمتع جنوب آسيا, الذي يضم خُمس سكان العالم, وبتقاليده الخاصة بالديمقراطية, وباحتضانه للانفتاح الاقتصادي والتقدم العلمي يتمتع بامكانية التحول إلى إحدى أكبر قصص النجاح في العالم في نصف القرن المقبل. ولكنه لا يزال يواجه تحديات وأخطارا هائلة. وما من اقليم آخر يتفاعل في مواجهته كل هذا القدر الكبير من القضايا بمثل هذه الدرجة من الاحتدام, فهناك المضي قدما بالنمو الاقتصادي, توسيع نطاق التجارة, تخفيف آثار الفقر, تجنب الصراع الاقليمي, حظر الانتشار النووي, هزيمة الارهاب, محاربة المخدرات, تخفيف عواقب تغير المناخ والقضاء على الأمراض المعدية. وإنني لمقتنع بأن تعزيز السلام والرخاء والحرية في القرن الحادي والعشرين سيعتمد إلى حد كبير على قدرة أمريكا على ابرام شراكة مع دول جنوب آسيا, وذلك من خلال خدمة مصالحنا المشتركة وحسم ما يبقى من خلافات. وقد تعلمت أمريكا في السنوات الماضية, وخاصة من متاعب روسيا ومن صعوبات اليابان الاقتصادية, أن ضعف الأمم العظيمة, لا قوتها, هو الذي يهدد روتينا للمستقبل. فنحن نظل أكثر أمنا عندما تكون الأمم العظيمة الأخرى في سلام مع جيرانها ومع نفسها. ونحن نظل في وضع أفضل عندما تنهض الأمم الأخرى من الفقر لتصبح شركاء لنا في التجارة والاستثمار, وحريتنا تغدو آمنة على نحو أكبر عندما تتاح للآخرين الفرصة لتشكيل مصيرهم. وستكون تلك رسالتي في الدول الثلاث جميعها, وبصفة خاصة في الهند, فنحن نرغب في أن تكون الهند قوية وآمنة وموحدة, وقوة مكرسة من أجل عالم أكثر أمانا وازدهارا وديمقراطية. وقد أنجزت الهند في السنوات الاثنين والخمسين التي انقضت منذ استقلالها تحولا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا ملحوظا. وهي بلغاتها السبع عشرة المعترف بها رسميا وبلهجاتها التي يصل عددها إلى اثنين وعشرين ألف لهجة تعد مكانا يعكس تنوعا فذا, يعلم العالم كيفية التعايش مع الاختلاف. وقد اختار مئات الملايين من الهنود قادتهم في انتخابات حرة وحسموا أمورهم من خلال مجالس الحكم المحلي. ويعد اقتصاد الهند واحدا من أسرع عشرة اقتصادات في العالم من حيث النمو, ويعد قطاعها التقني المتقدم المزدهر من أكثر النقاط تألقا في الاقتصاد العالمي الجديد حيث توسع بمعدل 25 ضعفا خلال العقد الماضي من الزمن. وهناك الآن من قنوات التلفزيون في مومباي ما يزيد على نظيرتها في معظم المدن الأمريكية. وفي غضون ذلك يعد الهنود روادا في ابتكار مصادر جديدة للطاقة النظيفة والطرق الجديدة لمكافحة الأمراض. وتشترك الولايات المتحدة والهند في قيم وأهداف تجمعهما معا, وقد ولد أكثر من 5.1 مليون من مواطنينا في الهند أو انحدروا من أصول هندية, وحققوا نجاحا فذا, ووصلوا إلى القمة في التعليم ومستوى الدخل بين كل مجموعات أمريكا العرقية. وبعد 50 عاما من الفرص الضائعة فإن الأوان قد آن لكي تصبح أمريكا والهند صديقتين أفضل وشريكتين أقوى. ينبغي على الأمريكيين والهنود العمل معا بشكل أكثر تقاربا للمضي قدما بالحريات السياسية وبعمليات الحماية من الاضطهاد. ويتعين علينا التوصل إلى أرضية مشتركة في تحقيق انفتاح النظام التجاري العالمي بطريقة ترفع مستوى حياة الفقراء والأغنياء على حد سواء. ويتعين أن نكون قادرين على الاجماع على ان الازدهار والنمو في الاقتصاد الجديد يعتمدان على ابقاء الأطفال في المدارس وحماية البيئة. وباعتبارنا الدولة الأكثر نفثا للغازات والأكثر نموا في نفث الغازات التي تساهم في تسخن الأرض, فإن بمقدورنا أن نعزز التعاون من أجل طاقة نظيفة, بحيث لا نترك كوكبنا معرضا للخطر. كما ان بمقدورنا أيضا ان نعزز معا النضال في مكافحة الأمراض القاتلة مثل السل والملاريا ومرض نقص المناعة المكتسب. كما انني أسعى كذلك إلى شراكة أكثر عمقا بين الولايات المتحدة وبنجلاديش وهي أمة مسلمة تضم 120 مليون نسمة, وهي بدورها تقطع خطوات جبارة في ابعاد المواطنين عن الفقر ورفع مكانة النساء وتقوية الديمقراطية والوقوف ضد الارهاب وأسلحة التدمير الشامل. وباكستان بدورها مهمة بالنسبة للولايات المتحدة, والباكستانيون أصدقاء قدامى, ونحن نود أن يحظوا بفوائد الديمقراطية وأن يشيدوا صرح اقتصاد قويا وأن يتحرروا من الارهاب وأن يعيشوا في سلام. ويقول البعض انني ينبغي ألا أذهب إلى باكستان بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بنواز شريف, رئيس الوزراء المنتخب ديمقراطيا, ولكن التنازع مع باكستان لا يمثل تقدما, والبقاء بعيدا لن يؤدي إلا إلى تقوية المتشددين في باكستان الذين يرغبون في أن تنأى بلادهم عن العالم. وفي اجتماعاتي مع القادة الباكستانيين وكذلك مع رئيس وزراء الهند أتال بيهارى فاجبايي وغيره من القادة الهنود سأتحدث مباشرة عن عناصر قلقنا المتسمة بالخطورة. لقد هزت الاختبارات النووية التي أجرتها الهند ثم باكستان في عام 1998 العالم, وعمقت مشاعر القلق العالمية ازاء انتشار الأسلحة النووية واحتمال استخدامها. ويمكن للهند وباكستان وحدهما أن يقررا كيفية حماية أمنهما. وفيما هما يقومان بذلك, فإنني آمل أن يسألا نفسيهما: هل هما اليوم أكثر أمانا مما كانا عليه قبل أن يجريا تجارب على الأسلحة النووية؟ هل سيستفيدان من توسيع نطاق قدراتهما الصاروخية والنووية إذا دفع ذلك جيرانهما للقيام بالأمر ذاته؟ هل يمكنهما أن يحققا أهدافهما بالنسبة للتنمية الاقتصادية بينما هما يقومان باستثمار هائل في كل من القوات النووية التقليدية؟ هل سيكونا أفضل حالا في نهاية ما يمكن أن يكون رحلة طويلة وباهظة التكلفة ولا سبيل إلى التنبؤ بما ينجم عنها؟ إنني مصمم على ان تصدق الولايات المتحدة على معاهدة الحظر الشامل للاختبارات النووية لانها سوف تعزز أمننا القومي, والهند وباكستان ينبغي أن يوقعا هذه المعاهدة, على نحو ما التزما بالقيام به وللسبب نفسه. ومع انطلاق الولايات المتحدة وروسيا باتجاه تخفيضات أكبر في ترسانتيهما النوويتين, فإن جنوب آسيا ينبغي ألا يمضي في الاتجاه المضاد. وتضيق نطاق خلافاتنا فيما يتعلق بحظر انتشار التجارب النووية هو أمر مهم لتحقيق العائد الكامل لعلاقاتنا. وأعتقد كذلك ان الهند وباكستان لن تحققا الأمن الحقيقي إلا بعد أن تستأنفا الحوار لحسم ما بينهما من اشكال التوتر, ولن أمضي للوساطة في النزاع بين البلدين, فأمريكا لا يمكنها القيام بذلك الدور ما لم يرغب الجانبان في ذلك, ولكنني سأعود إلى ضبط النفس وإلى احترام خط السيطرة في كشمير والى تجديد خطوط الاتصالات, ولكل من الهند وباكستان مخاوف أمنية مشروعة, ولكن أيا منهما ليس بمقدوره تحقيق أهدافه في غمار سباق تصاعدي قوامه ايقاع الألم وتلقيه. وأخيرا فإنني سأتحدث بصورة مباشرة مع جنرال برويز مشرف ومع الشعب الباكستاني عن الخطوات التي نعتقد انها مهمة لبناء مستقبل حافل بالأمل لباكستان: العودة مبكرة للديمقراطية, والتصدي للجماعات الارهابية, وضبط النفس فيما يتعلق بالبرامج النووية وبرامج الصواريخ وجهد حقيقي لايجاد الظروف المناسبة للحوار مع الهند. وإذا اتخذت باكستان هذه الخطوات, فإن بوسعنا العودة إلى طريق الشراكة. وبمقدوري تصور مستقبل لجنوب آسيا تختار كل أمة في اطاره مصيرها الديمقراطي, حيث يتم تبني التسامح, ويصبح خطر نشوب حرب اقليمية شيئا ينتمي إلى الماضي, وتتعاون الدول من أجل تعليم وصحة ورفاه أفضل. وهذا الوضع لم يسد المنطقة بعد ولكني أعرف ان معظم ابناء جنوب آسيا يشتركون في تطلعهم إلى تحقيق هذا التصور والولايات المتحدة ترغب كثيرا في المساعدة في تحويله إلى واقع.