لقي يوحنا بولس الثاني بابا الفاتيكان استقبالا حافلا في القاهرة التي وصلها امس في زيارة تاريخية دشنها بالدعوة الى السلام في الشرق الاوسط والحوار بين الاديان، واثار غياب شنودة الثالث بطريرك الكنيسة المصرية عن استقبال بابا الفاتيكان في المطار بعض التساؤلات والاستفسارات وكان في استقباله عند نزوله من الطائرة الرئيس المصري حسني مبارك على وقع انغام مقطوعة مسيرة النصر من اوبرا عايدة لفيردي والتي عزفتها فرقة الحرس الوطني المصري واعتلى يوحنا الذي سار بخطوات متثاقلة حاملا عصاه في يده مع مبارك المنصة في المطار حيث جرى عزف النشيدين المصري والبابوي، وقدم ولدان وبنتان لبابا الفاتيكان كأسا تحوي حفنة من تراب مصر، ومن جانبه بارك الاولاد والكأس والخبز الذي قدم اليه. ورحب ببابا الفاتيكان في مطار القاهرة فضيلة الشيخ محمد سيد طنطاوي شيخ الجامع الازهر وممثل عن الكنيسة القبطية المصرية وكل اعضاء الحكومة المصرية بلا استثناء والقى بابا الفاتيكان كلمة في المطار وجه فيها دعوة الى السلام في الشرق الاوسط والحوار بين الاديان. وقال ان صنع الشر والترويج للعنف والمواجهات باسم الدين تشكل تناقضا رهيبا. وتحدث بابا الفاتيكان ايضا عن »الالتزام المعروف جدا« للرئيس المصري لصالح السلام في مصر والشرق الاوسط. واضاف »لقد قمتم بدور مهم لدفع عملية السلام في المنطقة قدما. ان كل الرجال والنساء المنطقيين يقدرون الجهود التي بذلت حتى الان ويأملون في ان تنتصر الارادة الحسنة والعدالة لكي تتمكن كل شعوب هذه المنطقة الفريدة من رؤية حقوقها تحترم وتطلعاتها المشروعة تلبى«. واوضح ان زيارته الى دير القديسة كاترين الارثوذكسي في سيناء السبت ستكون »لحظة صلاة حثيثة من اجل السلام والانسجام بين الاديان. وأدان ايضا »النماذج العديدة لاستغلال الدين التي يعرضها علينا التاريخ الماضي والحاضر«. من جهته دعا الرئيس مبارك امام يوحنا بولس الثاني الى معركة مشتركة بين المسيحيين والمسلمين من اجل مواجهة »التعصب والاحكام المسبقة والبغض«. وقال مبارك في كلمة القاها ترحيبا بيوحنا في مطار القاهرة »يجب ان نعمل سوية لمواجهة التعصب والاحكام المسبقة والبغض«. واضاف الرئيس المصري »يجب ان نعارض جميع اشكال التمييز والظلم او سياسة الكيل بمكيالين اذا اردنا اقامة نظام عالمي جديد قابل للاستمرار«. واشاد مبارك بشجاعة يوحنا و»حكمته وتسامحه« حيث باتت »مساهمته في القضايا الانسانية في هذا العصر، الذي تسوده الفوضى وانعدام الامان، موضع اعجاب الجميع«. وتابع الرئيس المصري »انك ملتزم بحزم تشجيع الاخوة والسلام والتعايش بين جميع الامم«. واكمل قائلا »انك تعمل من دون كلل من اجل عالم خال من الظلم والقمع والتعصب«. وتوجه الرئيس المصري الى بابا الفاتيكان قائلا »قلت ذات مرة في عالم اليوم حيث ابتعد الناس عن ذكر الله بصورة محزنة، ندعو المسيحيين والمسلمين بروح الحب الى الدفاع واعلاء كرامة الانسان والقيم الاخلاقية والحرية«. واشار الى مساندته »الحوار بين الاديان على اساس الروابط الروحية التي توحد بين المؤمنين«. وقال مبارك انه »عندما اراد السيد المسيح عليه السلام وعائلته الكريمة العيش بعيدا عن بطش هيرودس وقع اختيارهم على ارض مصر. وقد حمل القديس مرقس الشعلة عام 61 ميلادية واسس كنيسة الاسكندرية التي قدمت مساهمات عظيمة للفكر المسيحي والفلسفة«. واكد ان »الشعب المصري يقف اليوم يدا واحدة في خضوعه لمشيئة الله ويستمد الهامه من المسيحية والاسلام« مشيرا الى دعوة »القرآن جميع المؤمنين الى الخضوع لكلمة الله حسبما نزلت عليهم عن طريق جميع انبيائه«. واضاف الرئيس المصري »نشارككم الامل الكبير من اجل مستقبل افضل يحمل في طياته السلام والمحبة«. وختم مبارك خطابه قائلا »نؤمن بانه يمكن التوصل الى التقدم الذي نصبو اليه بواسطة ايماننا بوحدة مصيرنا بغض النظر عن العرق والجنس والمعتقد«. وبينما كان كبار رجال الدولة وفي مقدمتهم الرئيس مبارك على رأس مستقبليه كان الدكتور يوسف بطرس غالي وزير الاقتصاد المصري يقدم اعتذاره لمجلة المصور عن عقد ندوة كانت مقررة سلفا، وذلك كنوع من الطوارىء المعدة لاستقبال الرمز الديني لكاثوليك العالم واستطاع يوحنا منذ لحظاته الاولى في لقاء المسئولين المصريين ان يجتذب القلوب حوله، حيث نال تصفيقا كبيرا شارك فيه الرئيس مبارك حين استهل خطابه في مؤتمره الصحفي بتوجيه التحية لمصر بنطقه باللغة العربية »السلام عليكم« ومع كل هذه الاستعدادات والحفاوة، الا ان سؤالا فرض نفسه على الزيارة منذ هبوطه سلم الطائرة، وظهور الرئيس مبارك في مقدمة مستقبليه وعدد آخر من كبار رجال الدولة.. السؤال هو.. لماذا غاب شنوده عن الاستقبال في الوقت الذي حضر فيه الامام الاكبر شيخ الجامع الازهر، وطرح هذا السؤال جاء نتيجة عدم تمييز غالبية قطاعات الرأي العام في مصر للفرق بين طائفتي الكاثوليك والارثوذكس في الديانة المسيحية. التبرير الذي ساقته مصادر كنسية مصرية ألمح الى ان بابا الفاتيكان تم استقباله في مصر باعتباره رئيسا لجمهورية الفاتيكان وبناء على دعوة خاصة من الرئيس مبارك سلمها له وزير الخارجية المصري عمرو موسى خلال زيارته الى المقر البابوي عام 1998 وبالتالي فان يوحنا بولس كان ضيفا رسميا على مصر من موقعه الرئاسي وليس من موقعه الديني ومن هنا فليس شرطا ان يكون شنودة في استقباله.. واشارت المصادر الى ان شنودة يحتل دينيا موقعا مماثلا لبابا الفاتيكان على مستوى العالم والبروتوكول الكنسي المعمول به في هذه الحالة ان يتوجه ضيف مصر الى زيارة شنودة في مقره البابوي.. وهو ما اشتمل عليه برنامج زيارة يوحنا بولس الثاني. واثارت المصادر الكنسية قضية اخرى وهي الفرق في التوقيت بين احتفالات المسيحيين الكاثوليك بأعياد الميلاد ومواعيد الحج المقدس وبين مثيلاتها لدى الاقباط الارثوذكس حيث يشهد الخلاف بين الطائفتين تباينا واسعا في هذه المواعيد الامر الذي يتضمن محاذير دينية لدى كل طائفة من الاحتفال وفق مواعيد الطائفة الاخرى.. وهو السبب نفسه الذي منع الاقباط الارثوذكس من المشاركة في القداس الذي يترأسه يوحنا صباح اليوم الجمعة. من وجهة النظر الرسمية المصرية فان الزيارة تتخذ طابعا آخر لايقف عند هذا النوع من الملاحظات حول الفروق بين الطائفتين الارثوذكسية والكاثوليكية حيث تعتبر مصر هذه الزيارة التاريخية فرصة كبيرة لتأكيد مناخ الاستقرار الامني على الاراضي المصرية كما ان جولة يوحنا في الاماكن المسيحية المقدسة وتغطية وسائل الاعلام العالمية لوقائع هذه الزيارة ستمثل فرصة كبيرة للدعاية للمناطق السياحية الدينية على الاراضي المصرية. وحسب مصادر سياسية مصرية فان زيارة البابا تتجاوز ايضا ابعادها الدينية والروحية الى ابعاد سياسية مختلفة اذ تتزامن مع الاتفاق التاريخي الذي عقده بابا الفاتيكان مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات والتأكيد على اعتبار ان القدس الشرقية منطقة محتلة.