تتابع العواصف على لبنان وحكومته فما كاد وزير التربية والتعليم محمد بيضون يفلت من اثار العاصفة الجوية التي تضرب انحاء لبنان والتي كانت ستكلفه منصبه حتى هبت عاصفة سياسية اقوى هذه المرة على معظم اعضاء الحكومة الذين اثبت تقرير رسمي ان وزاراتهم لا تخلو من الفضائح واساءة استخدام السلطات والتخبط في ممارسة المهام ان قصدا او عفوا ناهيك عن التغطية على مخالفات كبار موظفيهم وهو ما اخذ علما به البرلمان ويعتزم تقديم استجواب للحكومة وطرح الثقة بها. فقد تلقت الحكومة اللبنانية ضربة من داخل احدى مؤسساتها الرقابية وهي التفتيش المركزي التابع لرئاسة الوزراء الذي اعد تقريرا تضمن اتهامات للوزراء ووزاراتهم بارتكاب اخطاء وتجاوزات وارتكابات بحق القوانين والانظمة, زوبعة تعدت (الفنجان الاداري) لتدخل الى مجلس النواب الذي سيعقد اجتماعا قريبا لمناقشة الحكومة في ادائها في ضوء ذلك وقد تطرح الثقة بها, اذا ما تقدم بالطلب خلالها عشرة نواب على الاقل. يحدد التقرير اهم المواضيع التي يخالف فيها الوزراء القوانين والانظمة الداخلية في وزاراتهم واداراتهم وابرزها: * الامر باعطاء تراخيص مختلفة مخالفة للانظمة والقوانين النافذة. * استعمال السلطة الاستنسابية, دونما مراعاة للمصلحة العامة او مصالح المواطنين. * عدم اصدار قرارات ادارية او اتخاذ اجراءات معينة تفرضها المصلحة العامة, وذلك خضوعا لمداخلات اصحاب النفوذ او المصالح الشخصية. * اللجوء الى التأكيد والاصرار بشكل مخالف لقرار مجلس الوزراء رقم 2 الصادر بتاريخ 28 ديسمبر عام 1989. * عرقلة اعمال هيئات الرقابة بتدابير مختلفة, مخالفة اصلا للانظمة والقوانين المرعية والحيلولة دون امكانية قيام هذه الهيئات بالصلاحيات الممنوحة لها. واخطر ما يسجله التقرير حدوث اعمال تزوير وخروقات مالية في بعض الادارات الرسمية الامر الذي يشكل تهمة وادانة ستتحرك النيابة العامة المالية على اساسهما. وطبقا للتقرير وفي مديرية الخزينة تبين وجود نقص في توريد الاموال الى الخزينة بلغ في احدى المحتسبيات حوالي 556 مليون ليرة لبنانية. وفي مصلحة تسجيل السيارات والآليات التابعة لوزارة الداخلية, تم اكتشاف عدد من اوامر القبض المزورة فاقت قيمتها 90 مليون ليرة, واحيل الموضوع إلى النيابة العامة التمييزية. كما وجد المراقبون في المديرية العامة للطيران المدني التابعة لوزارة النقل فروقات هامة بين كميات البنزين المدونة على سجلات المحروقات لدى دائرة الخدمات العامة, وتلك المدونة على الفواتير المصروفة. ويسجل التقرير ايضا افتقار بعض ادارات القطاع العام للكيان التنظيمي, خاصة على سبيل المثال في مصافي النفط في كل من الزهراني وطرابلس, والريجي,ادارة واستثمارمرفأ بيروت, ووزارة النقل, الامر الذي يجعل الرقابة على مثل هذه المؤسسات مضطربة وغير منتظمة. ويشير التقرير الى هيمنة مستشاري الوزراء وبعض القيادات الادارية على صلاحيات الموظفين التنفيذيين من كافة الفئات الامر الذي يشكل ظاهرة خطيرة تنعكس سلبا على حسن سير العمل, وعلى المعاملات المتعلقة بالمواطنين. كما تساهم في ارتكاب بعض الموظفين القياديين اعمالا مخالفة للقوانين والانظمة, مما يضعهم امام المساءلة والمؤاخذة المسلكية في الوقت الذي يكون فيه هؤلاء المستشارون والمعاونون خارج الاطار بمنأى عن اي مسئولية. ويلاحظ التقرير كذلك عدم وجود تنسيق كامل ومتكامل بين الادارات العامة والمؤسسات الرسمية والبلديات, ما يؤدي حتما الى تضارب في اعمال هذه الادارات من جهة, والى حصول هدر غير مبرر في الاموال العمومية من جهة ثانية. ومن ذلك, من قبيل المثال لا الحصر, ما يحصل في وزارات الاشغال العامة, الموارد المائية والكهربائية, ووزارة البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية, الى مجلس الانماء والاعمار, ومصالح المياه والبلديات. ويخلص التقرير الرسمي الى حصر العديد من المخالفات وهدر المال في 8 وزارات وسلطات استنسابية, ويؤكد ان السلطة السياسية المشرفة على الادارات تمارس صلاحيات لا ضوابط لها وتغطي المخالفين, ويلفت الى اخطاء وهفوات ادارية يطالها القانون منها: ــ ان تعويضات عائلية صرفت لاشخاص تركوا العمل او لم يعملوا اصلا. ــ ان الرواتب في العديد من المؤسسات العامة مرتفعة وانتقائية. ــ انه جرى انفاق مبلغ مليار ونصف المليار ليرة لبنانية في مكتب الدواء التابع لوزارة الصحة في غير محله, اضافة الى ما يلاحظه التقرير من تهافت كبار الموظفين على السفر بمهام رسمية, والعمل في لجان فرعية, ما يشل عمل الادارات والمؤسسات الرسمية. لكن كل ذلك التراكم فيما يحصل يبقى غيضا من فيض ما تضمنه تقرير (التفتيش المركزي) الذي سيبقى موضوع الساعة حتى اشعار اخر في البرلمان والسلطات القضائية, وربما السلاح الاساسي للمعارضة في اسقاط الحكومة.