فاجأ الرئيس الروسي بوريس يلتسين العالم امس باعلان استقالته معترفا بأنه لم يتمكن من تحقيق آمال شعبه في القفز بالبلاد الى مستقبل براق ومزدهر.وسلم يلتسين مهام السلطة والحقيبة النووية الى رئيس الوزراء فلاديمير بوتين الذي تعهد على الفور بالدفاع عن حقوق الانسان والابقاء على السياسة الخارجية الحالية قبل ان يوقع مرسوما يمنع ملاحقة يلتسين قضائيا . وفي حين باغت اعلان استقالة يلتسين عواصم العالم وتراوحت ردود الفعل الاولية بين الاطراء بمنجزاته والتعبير عن الامل في مواصلة المسيرة الاصلاحية, قال البيت الابيض ان الادارة الامريكية لم تفاجأ بالخطوة التي اعتبرتها تغييرا كبيرا. وفي خطاب تلفزيوني تلاه بصوت خافت قدم رجل المفاجآت يلتسين 68 عاما آخر مفاجأة له وأعلن استقالته بعد ثماني سنوات ونصف السنة قضاها في رئاسة البلاد مسلما مهام السلطة لرئيس الوزراء. وقال يلتسين (لا أريد التمسك بالسلطة لستة أشهر أخرى) معلنا عن تقديم موعد الانتخابات الرئاسية إلى 26 مارس. وحتى ذلك الحين سيقوم بوتين 47 عاما بممارسة مهام الرئيس بالانابة بموجب مرسوم وقع عليه يلتسين. وقال يلتسين الذي بدا عليه التأثر للشعب الروسي ان ما قيل عن عدم رغبته بالتخلي عن السلطة (كذبة) . كما طلب السماح لعدم تمكنه من تحقيق رغبات الروس. وقال (أعتذر.. لقد فعلت كل ما بوسعي) . إلا أنه قال انه لم يتمكن من تحقيق الامال بأن (تقفز روسيا فجأة من ماضيها الرمادي الشمولي إلى مستقبل براق ومزدهر ومتمدن) . وأكد يلتسين الذي انتخب رئيسا في صيف عام 1991 وأعيد انتخابه عام 1996 بأن استقالته ليست لاسباب صحية. وقال ان روسيا تحتاج إلى قيادة سياسية شابة في الالفية الجديدة وأنه يقيم المثال على ذلك (بتسليم السلطة طوعا وبأسلوب متمدن) . وقال الكرملين ان إعلان يلتسين جاء بعد وقت قصير من اجتماعه صباح امس ببوتين وأنه وقع على مرسوم نقل السلطة بعد دقائق قليلة من بث الخطاب التلفزيوني ظهر امس بالتوقيت المحلي. وقال انه على الرغم من استقالته إلا أنه لا يزال يعتزم التوجه إلى بيت لحم لحضور احتفالات عيد الميلاد لدى الارثوذكس في السابع من يناير الجاري وقالت تقارير لاحقة ان بوتين ربما يرافقه في هذه الزيارة. وفي خطوة تحمل أكثر من اهمية رمزية, سلم الرئيس الروسي المستقيل إلى بوتين الحقيبة التي يمكن من خلالها تنشيط الترسانة النووية الروسية, وذلك حسبما ذكرت وكالة إيتار-تاس نقلا عن مصادر الكرملين. ومن جهة ثانية قال بوتين في اول خطاب متلفز بصفته الجديدة نقلته وكالة ايتار تاس انه سيدافع عن حقوق الانسان والحريات وكذلك عن حق الملكية. وحذر من انه سيتصدى بحزم لاى محاولة للخروج عن القانون والدستور فى البلاد. وقال بوتين فى كلمة تهنئة وجهها للشعب الروسى بحلول عيد رأس السنة ان روسيا لن تشهد حالة فراغ للسلطة ولو لمدة دقيقة وسيتم التصدى بحزم لاى محاولة للخروج عن القانون والدستور. وتمنى بوتين فى كلمته التى بثتها وكالة انباء ايتار تاس للرئيس المستقيل بوريس يلتسين (السعادة والعافية) قائلا ان الزمن كفيل بان يعطي انجازات يلتسين حق تقييمها. واشار الى ان روسيا سارت على طريق الديمقراطية والاصلاح ولم تتراجع عن هذا الطريق وبرزت كدولة قوية مستقلة قائلا هذا انجاز عظيم للرئيس يلتسين. وتعهد بوتين بالحفاظ على حرية الكلمة والاعتقاد وحرية وسائل الاعلام وحق التملك بصفتها تشكل عناصر المجتمع الحضارى. من جهة اخرى ذكرت وكالة انباء انترفاكس ان بوتين وقع على مرسوم بمنح الرئيس يلتسين وافراد عائلته مجموعة من الضمانات والامتيازات التى تحول دون ملاحقته قضائيا واداريا وتمنع اعتقاله او توقيفه وتسرى هذه الحصانة على ممتلكاته المنقولة وغير المنقولة. ويقضي المرسوم بمنح يلتسين منزلا من املاك الدولة للعيش به مدى الحياة ومعاشا تقاعديا يعادل 75 فى المائة من راتبه الشهرى وتأمينا من خزينة الدولة على حياته وحراسة شخصية له ولافراد عائلته اضافة الى الرعاية الصحية والاجتماعية. ويمنح المرسوم يلتسين كذلك الحق فى استخدام القاعات الرسمية فى المطارات ومحطات السكك الحديدية وربطه بمنظومة الاتصالات الخاصة. واثار اعلان استقالة يلتسين ردود فعل خارجية واسعة النطاق ففي واشنطن اعلن البيت الابيض امس ان الاستقالة تشكل (تغييرا كبيرا) لكنها لم تكن مفاجأة تامة. وبادر الرئيس الامريكي بيل كلينتون الذي ابلغه مستشاره لشئون الامن ساندي بيرجر باستقالة يلتسين, الى تهنئة الرئيس الروسي في بيان على رئاسته (التاريخية) لروسيا متمنيا له فترة تقاعد سعيدة. وصرح كلينتون في بيان (ان المكتسبات الدائمة (لولاية يلتسين) تمثلت بتفكيك النظام الشيوعي وقيام مؤسسات سياسية جديدة منبثقة عن انتخابات ديمقراطية في اطار دستوري) . واضاف ان ( تسلم رئيس الوزراء بوتين المسئولية كرئيس بالوكالة طبقا للدستور هو المثال الاخير على المكتسبات) التي حققها يلتسين. وكان المتحدث باسم البيت الابيض جيم فالين اعلن انه تغيير كبير. لكنه لم يشكل مفاجأة تامة نظرا للتكهنات التي اشارت الى احتمال استقالته لاسباب صحية. لكن الاستقالة باغتت عواصم العالم الاخرى خصوصا الاوروبية التي تراوحت ردود الفعل الاولية الصادرة عنها بين اطراء يلتسين والتعبير عن الامل في ان تواصل روسيا مسيرة الاصلاح الديمقراطي. ففي لندن اشاد رئيس الوزراء البريطاني توني بلير بـ(الدور الحاسم الذي لعبه بوريس يلتسين في تاريخ روسيا) . وصرح توني بلير في بيان وزعه مقر رئاسة الحكومة البريطانية انه (يرغب بمواصة التعاون الوثيق مع رئيس الوزراء(فلاديمير) بوتين) . واضاف ان (بوريس يلتسين قاد بلاده خلال انتقالها من الشيوعية الى الديمقراطية في احدى اكثر العمليات صعوبة وايلاما) . واكد بلير (بفضله اصبح العالم اكثر استقرارا وامنا) . وقال رئيس الوزراء البريطاني ان قرارات يلتسين (ساهمت في الاوقات الحرجة في تعزيز التوجه الى الاصلاح وحولت روسيا الى شريك مقرب من الغرب على المستويين السياسي والاقتصادي) . وعبر رئيس الوزراء البريطاني عن امله في ان يثبت الشعب الروسي (المسار الديمقراطي) الجاري لدى اختيار خليفة ليلتسين في مارس المقبل. وفي باريس دعا الرئيس الفرنسي جاك شيراك, الرئيس الروسي بالوكالة الى (العمل من اجل اعادة السلام) الى الشيشان, وذلك في رسالة تهنئة وجهها اليه امس. واعرب الرئيس الفرنسي عن (الثقة بان بوتين سيتمكن خلال هذه الفترة الانتقالية المهمة للشعب الروسي من العمل من اجل عودة السلام وتعزيز الديمقراطية ومواصلة الاصلاحات التي لا غنى عنها) . واكد (عزم فرنسا على تعزيز التعاون في كل المجالات مع روسيا الدولة الصديقة الكبيرة) . من جهة اخرى, اشاد شيراك بدور بوريس يلتسين (التاريخي في زرع جذور الديمقراطية ومباشرة اصلاحات سياسية واقتصادية) في روسيا. وشدد الرئيس الفرنسي على (العلاقات الشخصية القوية) التي تربطه بيلتسين (والتي ساهمت حتى في الفترات الصعبة في الماضي والحاضر في المحافظة على مستوى عال جدا من التعاون) بين فرنسا وروسيا. وتمنى (عودة السلام سريعا الى روسيا) وفي ان (تتعزز توجهات السياسة الروسية في مجال الديمقراطية والاصلاحات والانفتاح خلال الاشهر والسنوات المقبلة) . وفي بولندا امتدح رئيس الوزراء برونيسلاف جيريميك إسهام يلتسين في عملية تحول روسيا إلى الديمقراطية. وأكد أيضا على أن يلتسين ساعد روسيا على التغلب على المشكلات التاريخية بين البولنديين والروس وفي التقدم نحو تطبيع العلاقات بينهم. وفي براغ جاء في تصريح صادر عن المكتب الرئاسي أن فاتسلاف هافل رئيس جمهورية التشيك أطلق على يلتسين لقب السياسي ذو الاهمية التاريخية. وعبر هافل عن أمله في أن تصبح (الاليات الدستورية) نافذة المفعول في انتخابات الرئاسة وأن تستمر البلاد في السير على طريقها نحو الديمقراطية. وفي صوفيا صرح رئيس بلغاريا بيتر ستويانوف بأنه يأمل في ألا يكون لاستقالة يلتسين (أي تأثير على العملية الديمقراطية في روسيا) . وفي تصريحات صادرة عن المكتب الصحفي الرئاسي قال ستويانوف إنه يأمل في ألا تتأثر (علاقات الثقة والتعاون الحالية) مع بلغاريا باستقالة يلتسين. ـ الوكالات