بدأ الرئيس السوداني عمر البشير امس زيارة طال انتظارها الى مصر وانخرط فور وصوله في محادثات على جولتين مع مضيفه الرئيس حسني مبارك, اعتبرتها كل من الخرطوم والقاهرة (مهمة للغاية).وكان البشير استبق وصوله بالتأكيد على انه لاتراجع عن اجراءاته الاخيرة التي استهدفت اقصاء حليفه اللدود الدكتور حسن الترابي الامر الذي اثار ارتياحا في القاهرة. وفي الخرطوم بدت تطورات الازمة الاخيرة تتجه نحو التهدئة اكثر فأكثر واعلن الجانبان امس نيتهما انجاز تسوية مرضية للطرفين مع تجنب تصعيد المشاحنات. وقد وصل الرئيس السوداني الى القاهرة امس بعد عشرة ايام على اعلانه حالة الطوارىء في بلاده لقطع الطريق امام طغيان نفوذ الترابي. وكان الرئيس المصري حسني مبارك في استقبال البشير القادم من ليبيا في المطار, ثم توجها سويا الى القصر الرئاسي لبدء المحادثات. وامتدت محادثات الزعيمين في جولة اخرى خلال حفل افطار رمضاني اقامه الرئىس المصري لضيفه قبل أن ينضم اليهما مسئولون من البلدين. وصرح عمرو موسى وزير الخارجية المصري بأن المباحثات بين مبارك والبشير (جرت فى جو ودى وايجابى يعكس الاهتمام المصرى الكبير بالسودان وشئونه والتحرك نحو الاستقرار فى السودان فى اطار وحدته وانهاء الخلافات فيه ) . وقال موسى فى تصريحات ادلى بها بعد جلسة المباحثات المغلقة بين الرئىسين ان المباحثات تناولت التطورات الاخيرة فى السودان والعلاقات السودانية المصرية وكذلك العلاقات السودانية مع دول الجوار والعمل على التحرك السريع فى اطار دفع المسألة السودانية نحو التفاهم والحوار. وأوضح وزير الخارجية ان جلسة مباحثات اخرى عقدت فى وقت لاحق من مساء أمس على مستوى وزيرى خارجية البلدين ثم تعقد جلسة مباحثات على المستوى الرئاسى صباح اليوم (الخميس) . واكد موسى ان الاوضاع فى السودان (تبدو انها تتجه نحو الاستقرار) مشيرا الى ان الرئيس البشير اكد خلال زيارته لكل من مصر وليبيا ان الاوضاع مطمئنة وانه سيطر على الامور هناك وان السودان له رئيس واحد هو الفريق البشير. من جانبه أكد وزير الثقافة والاعلام الناطق الرسمى باسم الحكومة السودانية الدكتور غازى صلاح الدين أن زيارة البشير لمصر (تكتسب أهمية خاصة نظرا لأنها تدفع بالعلاقات الثنائية ) شوطا بعيدا الى الأمام وتفتح المجال أمام تطور هذه العلاقات نحو آفاق التكامل والتآخى والتنسيق بين القاهرة والخرطوم. وقال صلاح الدين فى تصريح اذاعي امس عبر الهاتف من الخرطوم أن الرئيس البشير سيطرح أمام أخيه الرئيس مبارك شرحا وافيا للاجراءات التى اتخذها قبل أسبوع على الساحة السياسية السودانية والضرورة التى أملتها وتبعات ونتائج هذه الاجراءات. وأشار الى أنه سيتم أيضا (بحث سبل تطوير الحوار السودانى( السودانى عبر المبادرة المصرية الليبية كلما يتشاور الزعيمان حول التطورات التى تشهدها الساحة العربية ونتائج جولة الرئيس مبارك الخليجية ) . وكان وزير الخارجية المصري اعلن قبيل وصول الرئيس السوداني ان بلاده تعمل من اجل فتح حوار بين الخرطوم والمعارضة السودانية من اجل انهاء الحرب الاهلية المستمرة منذ 16 عاما. وقال موسى للصحافيين الذين سألوه عما اذا كان البشير سيلتقي مسئولين من المعارضة السودانية يقيمون في القاهرة (انه حر في استدعاء من يشاء) . وعلى الصعيد نفسه قال الناطق الرسمي باسم الحكومة السودانية انه لايستبعد أن يلتقي الرئىس البشير خلال زيارته للقاهرة محمد عثمان الميرغني رئىس التجمع الوطني المعارض زعيم الحزب الاتحادي المعارض مضيفا ان برنامج الزيارة (لايتضمن مثل هذه اللقاءات ولكنه غالبا ماتحدث لقاءات على هامش مثل هذه الزيارات) . وسبق للبشير ان التقى للمرة الاولى في نوفمبر الماضي في جيبوتي رئيس الوزراء السابق وزعيم حزب الامة الصادق المهدي الذي اطاحه انقلاب البشير العسكري في 1989. ويقيم المهدي والميرغني في القاهرة حاليا. وأكد موسى في تصريحاته أن وحدة السودان أمر غير مطروح للنقاش ولاتفاوض حوله وهو من ثوابت سياسة بلاده وأساس المبادرة المصرية ـ الليبية بشأن السودان. وأكد مساندة الدول العربية للبشير فى قرارته الاخيرة وقال(لقد لمسنا خلال جولته الاخيرة فى الخليج تأييدا كبيرا لسياسة البشير باعتباره الرئيس الوحيد للسودان فليس هناك رئيس آخر) . وتتركز محادثات البلدين الجارين على بحث الوضع في السودان بعد القرار الذي اتخذه البشير في 12 ديسمبر الحالي بفرض حالة الطوارىء لمدة ثلاثة اشهر وحل البرلمان الامر الذي تعهد حليفه السابق الدكتور الترابي بمقاومته ما اثار مخاوف من مواجهة عنيفة بين الطرفين تهدد استقرار البلاد. وعشية وصوله اكد البشير فى حديث صحفى لمجلة (المصور) المصرية انه لاعودة عن القرارات التى اتخذها بشأن اعلان حالة الطوارىء فى السودان وحل البرلمان. ونفى فى الوقت نفسه صحة (تكهنات ) بأنه اتخذ هذه القرارات (ليس عن قناعة بل استجابة لضغوط دولية) باعتبارها (لا محل لها من الاعراب) معتبرا ان المتابعين للشأن السوداني (كانوا يتوقعون القرارات ولم يفاجأوا بها) . ورأى ان اعلان حالة الطوارىء لمدة ثلاثة اشهر وحل البرلمان (قرار خاص فى ظرف خاص فرضته ظروف ومصلحة هذا الوطن الذى تكالبت عليه المشاكل) مشيرا الى ان تحديد موعد انتخابات تشريعية جديدة (سابق لاوانه الان) . وجدد الرئيس السودانى فى هذا الاطار دعوته لعودة قيادات المعارضة فى الخارج قائلا (لديهم حماية كاملة لان يعودوا واتخذنا كافة الاجراءات لنهيئ مناخا عاما لمثل هذه المصالحات) . لكن الاجواء في الخرطوم بدت امس اكثر هدوءا على ضوء اعلان الطرفين الحرص على عدم التصعيد. ويعقد سبعة ممثلين عن كل طرف اجتماعات مغلقة منذ اربعة ايام في محاولة للتوصل الى تسوية للازمة. واعلن وزير التعليم العالي والبحث ابراهيم احمد عمر الذي يمثل الحكومة وحاكم ولاية كردفان الشمالية ابراهيم السنوسي الذي يمثل انصار الترابي, في بيان مشترك امس, ان الاجتماعات (غلب عليها جو من الوحدة والمسئولية والصدق والاخلاص) وان الطرفين اتفقا على جدول لقاءات. واعلن المسئولان العمل من اجل التوصل الى تسوية للازمة السياسية ودعيا الحكومة ورئاسة المؤتمر الوطني الى وقف التصعيد المتبادل. ولم تحدد مهلة لانهاء المفاوضات بين الطرفين غير ان مصدرا قريبا من لجنة المصالحة اشار الى ان هذه الاخيرة يفترض ان تنهي اعمالها قريبا وتقدم نتائجها, ايجابية كانت ام سلبية, الى البشير والترابي.