اوفد الرئيس السوداني عمر البشير الذي يسيطر فيما يبدو على مجريات الامور في بلاده بعد الضربة الوقائية التي وجهها لحليفه السابق, خصمه الحالي الدكتور حسن الترابي, وزير دفاعه الفريق عبدالرحمن سر الختم الى القاهرة الذي اعلن من هناك ان البشير لن يتراجع عن قراراته الاخيرة التي اعتبرها مدخلا : لاعضاء حرب الجنوب وتحسين العلاقات مع دول الجوار . وتزامن مع ذلك تراجع واضح في لهجة التصعيد التي استخدمها معسكر الترابي خلال الايام الماضية, وبات هذا المعسكر يروج لمصالحة وشيكة بين الرجلين واعلن في هذا الاطار عن الغاء قرار سابق بالزام الوزراء بالاستقالة. وعلم ان الترابي سيعقد مؤتمراً صحافياً غدا السبت وسط معلومات تتحدث عن انه اجبر على تقديم تنازلات كبيرة في اتجاه تقليص صلاحياته في قيادة الحزب الحاكم الذي يتولى امانته العامة نظريا ورئاسته فعليا. ووصل وزير الدفاع السوداني الى القاهرة امس في زيارة لم يتم الاعلان عنها من قبل وتوجه على الفور لعقد محادثات مع الرئيس المصري حسني مبارك. وكان وزير الدفاع المصري المشير محمد حسين طنطاوي في استقبال نظيره السوداني سر الختم الذي يعد من الحلفاء المقربين للرئيس السوداني البشير, في مطار القاهرة. وقالت مصادر بالمطار أن وفدا عسكريا رفيع المستوى يرافق الوزير السوداني الذي نادرا ما كلف بمهمة خارجية. وقال الوزير للصحفيين بعد الاجتماع أنه أتى إلى القاهرة بتكليف من البشير لابلاغ المسئولين المصريين بالوضع في السودان. ونفى أن يكون قد جاء بأي مطالب خاصة من المسئولين المصريين وسط تقارير أشارت إلى احتمال أن يطلب البشير المساعدة من مصر في صراعه مع الترابي. وقال الوزير أنه شكر مبارك لموقفه الداعم للبشير وقال له أن الاحوال في السودان (مستقرة تماما والحياة عادية) . وأضاف قائلا (لو كان هناك اضطراب لما كنت أنا وزير الدفاع معكم الان في مصر) . كما أكد سر الختم أيضا أنه لا رجعة عن القرارات التي اتخذها البشير, وقال أن تلك القرارات كانت ضرورية (لتأمين البلاد ومنع التهديدات التي تحدث من بعض العناصر السياسية) . وكرر الوزير السوداني تأكيده عدم التراجع عن القرارات الاخيرة, عقب لقاء جرى لاحقا مع وزير الخارجية المصري عمرو موسى معربا عن امله في اشارة ذات مغزى, ان تكون هذه القرارات (دفعا لتأمين وصيانة السودان واستقراره وسلامته والعمل على انهاء الحرب الجارية في جنوبه وتحسين العلاقات مع دول الجوار) . وطلب من الوزير السوداني ان يعلق على تصريح للترابي اتسم بالليونة اشار فيه الى ان هذه الاجراءات يمكن التراجع عنها فقال الوزير (ارجو ان تنقلوا ايضا عن الرئيس عمر البشير انه لا تراجع عن هذه الاجراءات) . وكان الترابي قد ادلى بتصريحه هذا امس في ذروة اشارات للتهدئة باتت تكتسي تصريحات معاونيه وصلت الى حد التراجع عن تصريحات سابقة بفصل البشير من الحزب الحاكم. وفي هذا الاطار قال محمد الحسن الأمين, ابرز معاوني الترابي امس ان الطرفين وافقا على مبدأ مصالحة داخل الحزب الحاكم. وفي تصريح لوكالة فرانس برس قال الامين عضو الهيئة القيادية في هذا الحزب ان البشير يؤيد المصالحة (بصفته رئيسا للمؤتمر الوطني) . واوضح ان الهىئة القيادية للمؤتمر الوطني السوداني ستعقد اجتماعا حاسماً الاحد المقبل. ويعكس تصريح الامين ليونة في موقف الترابي وانصاره داخل الهيئة القيادية في حزب المؤتمر الوطني. وباقراره ان البشير لا يزال رئيس الحزب, عاد الامين عن تصريح ادلى به شخصيا يوم الاربعاء وقال فيه ان الرئيس السوداني ومعاونيه لم يعودوا ضمن المؤتمر الوطني (لانهم اختاروا الانسحاب منه) . وقال الامين بلهجة توفيقية (شقيقنا الرئيس البشير اعرب عن استعداده لازالة الخلافات بأسرع وقت ممكن) . وكان منزل الفريق البشير قد شهد اجتماعا مطولا الليلة قبل الماضية ضم ولاول مرة منذ استفحال الازمة الاحد الماضي مسئولين محسوبين على الطرفين. حيث ضم الاجتماع الذي استمر حتى الساعات الاولى من صباح امس الى جانب النائب الاول لرئيس الجمهورية على عثمان محمد طه, عبدالباسط سبدرات مستشار رئيس الجمهورية للشئون النيابية والقانونية واللواء بكري حسن صالح وزير رئاسة مجلس الوزراء من جناح الرئيس اما جناح د. الترابي فقد حضر الاجتماع كل من د. المعتصم عبدالرحيم الامين العام بولاية الخرطوم وابراهيم السنوسي والي شمال كردفان وصابر آدم حسن الطاهر والي جنوب دارفور. وتحفظت المصادر على الافصاح عن النتائج التي تمخضت عن الاجتماع وما تم فيه من نقاش. وعلى صعيد لجان الوساطة فقد تشكلت اكثر من ثلاث لجان للوساطة اضافة الى مجهودات فردية يقوم بها بعض مخضرمي الحركة الاسلامية. ونشطت يوم امس عدة مبادرات لاحتواء الموقف حيث قادت لجنة عبدالرحيم على رئيس هيئة شورى المؤتمر الوطني عددا من اللقاءات تمخضت عن الاتفاق على التوصل الى مقترحات محددة بشأن النقاط الخلافية بما فيها تحديد صلاحيات الامين العام ورئيس المؤتمر الوطني بما يمنع التداخل والازدواجية وابلغ مصدر سياسي رفيع (البيان) ان لجنة تشكلت من ممثلين لهيئة القيادة واخرين يمثلون القصر وذلك لوضع مقترحات محدده بشأن امر الصلاحيات بما فيها صلاحيات الاجهزة واختصاصاتها واختصاصات العاملين فيها على ان ترفع اللجنة تقريرها الى اجتماع هيئة الشورى الخميس المقبل لإجازته. وفي تطور لاحق اسفرت ضغوط الوساطة عن تراجع هيئة قيادة الحزب الحاكم عن الغاء قرار الزام الوزراء بالاستقالة حسبما اعلن محمد الحسن الامين في مؤتمر صحافي قال فيه ان لجنة الوساطة السباعية (توصلت الى نقاط ايجابية مع الرئيس وتم الاتفاق على عدم نشرها في الوقت الراهن) . وشن الامين هجوما لم تتضح دوافعه على لجنة رئيس هيئة الشورى قائلا بأنها لا تمثل اي مؤسسة وقال ان عبدالرحيم على لم يفوض من اي جهة للعب دور الوسيط وان اي قرار يصدر من لجنته لن يكون ملزما لاجهزة المؤتمر الوطني (وسأكون اول الخارجين عليه) !