يأتي قرار منح ايرلندا الشمالية الحكم الذاتي تتويجا لنضال دام أكثر من ربع قرن قاد فيه الجيش الجمهوري الايرلندي نضال شعب ايرلندا بمختلف طوائفه السياسية والدينية, وتفاقمت حدة الصراع بين الثوار الايرلنديين والحكومة البريطانية أكثر من مرة, وذهب المئات من المواطنين الأبرياء ضحية العديد من الانفجارات والصدامات العنيفة المسلحة . واتسم الصراع في ايرلندا الشمالية في العديد من مراحله بالعنف الشديد والتطرف الحاد, وبالدرجة التي جعلت الحكومة في لندن تطلق وصف الارهابيين على الثوار الايرلنديين. وتحمست الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من مرة لوقف هذا الصراع الذي دام طويلا, هذا في الوقت الذي وقفت فيه الدول الأوروبية موقفا محايدا ومحاطا بالغموض والعديد من علامات الاستفهام, ومنها ألمانيا وفرنسا اللتان بدت مواقفهما في بعض الأحيان وكأنها مؤيدة للثوار الايرلنديين ومرحبة بتفتيت ما تبقى من كيان الامبراطورية البريطانية المترهلة, ويأتي حياد وسلبية الدول الأوروبية وايجابية وتفاعل واشنطن انعكاسا واضحا للمصالح المتباينة على الساحة الدولية في التعامل مع الأزمة الايرلندية, إلا انه في النهاية وكما يذهب الكثيرون فإن استقلال ايرلندا الشمالية يرضي طموحات متباينة لدى مختلف الجهات وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وفرنسا, ففي الوقت الذي تأمل فيه واشنطن في علاقات قوية ووطيدة مع ايرلندا الشمالية يدعمها الكم الكبير من الايرلنديين المقيمين في الولايات المتحدة الأمريكية, تتطلع ألمانيا لمزيد من العلاقات مع ايرلندا الشمالية بحكم الروابط الكاثوليكية بينهما, وبحكم سعي برلين إلى احراز تقدم ومكانة أكبر على الساحة الأوروبية التي لا ينافسها عليها سوى لندن وباريس. أما فرنسا فبحكم الصراع التاريخي بينها وبين بريطانيا وبحكم تطلعاتها بقوتها النووية لاحراز مكانة أعلى في أوروبا, وأيضا بحكم صراعها المستمر مع واشنطن على الساحة الأوروبية وداخل قيادة حلف شمال الأطلسي وحليفتها المطيعة لندن. من هذا يتضح عدم حرص القوى الكبرى المحيطة ببريطانيا على وحدتها وبقائها دولة قوية وكبيرة. ولكن يبقى السؤال: هل تكتفي ايرلندا الشمالية بعد هذا النضال الطويل بما حصلت عليه من سلطات محدودة من الحكم شبه الذاتي في الوقت الذي احتفظت فيه لندن لنفسها بسلطات أساسية مثل الخارجية والدفاع والميزانية, أم أنها وقفة يحاول معها الايرلنديون تحصيل ما يمكن تحصيله وتصفية بعض الخلافات الداخلية واعادة لم الشمل والبحث عن أشكال جديدة للنضال تتناسب مع المتغيرات التي حدثت على الساحة الدولية في ظل سياسة القطب الواحد, خاصة وان الجيش الجمهوري الايرلندي قد فقد الكثير من مصادر تمويله الأساسية في السنوات الماضية, وهو الأمر الذي دفع قياداته للموافقة على تسليم ونزع أسلحتهم. ويبقى موقف التيارات المتشددة في ايرلندا الشمالية وخاصة الكاثوليك الذين يتعاملون مع بريطانيا على أنها دولة استعمارية تحتل ايرلندا الشمالية, وهو الأمر الذي يعكس عدم استقرار الأوضاع هناك بالشكل النهائي وينبئ باحتمالات اندلاع الصراع في ايرلندا الشمالية مرة أخرى من أجل الاستقلال الكامل عن بريطانيا.