ساد الشارع السوداني امس هدوء اعتيادي في وقت كانت اروقة الحكم تغلي كالمرجل غداة اعلان الرئيس عمر البشير حالة الطوارىء وحل البرلمان, قاطعا الطريق على منافسه على السلطة رئيس البرلمان الدكتور حسن الترابي. وانخرط الطرفان امس في حرب كلامية علنية غير مسبوقة خصوصا من جانب الترابي الذي شن هجوما عنيفا على البشير واصفا اياه بالرئيس الذي (لاعهد له) وان الاجراء الذي اتخذه هو انقلاب عسكري ملوحا بتحريك الجماهير لمواجهة الانقلاب. وبينما تباينت ردود فعل القوى المعارضة بين شامت ومطالب بالهدوء ومغازل للبشير بامكانية توفير المساندة بشروط اعلنت قيادة حزب المؤتمر الحاكم فصل البشير وطلبت من الوزراء الموالين للحزب تقديم استقالاتهم كما اعلنت انها اتخذت ترتيبات لمواجهة الموقف دون الافصاح عنها, بعد اجتماع دام 12 ساعة قاطعه ابرز معاوني البشير. وفي مؤتمر صحافي بدا خلاله متوترا, أعلن الترابي بوضوح فض الحلف الذي جمعه مع الرئيس منذ عشر سنوات معتبرا ان ما قام به الأخير ليس سوى (انقلاب عسكري) وتعهد رئيس البرلمان (المنحل) بمقاومة (الانقلاب) عبر الأطر القانونية لكنه لوح باستخدام سلاح الجماهير والقوة إذا لزم الأمر قائلا ان كل الخيارات مفتوحة. ولكن البشير الذي عقد مؤتمرا صحفيا كان قد أرجأه إلى ما بعد المؤتمر الصحافي للترابي رفض اتهام الآخر بأن حل البرلمان واعلان حالة الطوارئ يشكلان انقلابا, قائلا إن ما فعله يتفق مع الصلاحيات التي كفلها الدستور له كرئيس للدولة. وشدد البشير الذي ظهر مرتديا زيه العسكري الكامل على ان قراره (ليس انقلابا) بل تحركا المقصود منه (اعادة الانضباط وهيبة الحكومة وتوحيد القيادة) , مشيرا إلى ان الترابي دأب على التصرف وكأن للسودان رئيسين, وذكر بالمثل الشهير القائل بأن (السفينة التي يقودها رئيسان تغرق) . وقال: (بعد كدة ما في ولاء مزدوج طالما هناك قيادة واحدة, وأي انسان يقول غير ذلك يمكنه ان يتنحى) . وصرح الرئيس السوداني للصحفيين بأن الترابي دأب على تخطيه وأوضح قائلاً: عندما كنت أطلب الاجتماع معه أجده لا يريد ذلك, وانما يرغب في اهانتي بمحاولة التحقيق معي أنا ونائب الرئيس بسبب ما يرى انه غياب منا عن البرلمان. وقال البشير انه لن يعتقل أحدا ولن يمضي إلى أبعد مما فعل إلا إذا اقتضى الأمر, مشيرا إلى انه لن يقيل أي مسئول حاليا وان كان يرحب باستقالة من يرغب. وقدم البشير تأكيدات خلال مؤتمره الصحفي بانه خلال فترة احكام الطوارىء التي سوف تستمر ثلاثة أشهر, لن يتدخل في عمل الصحافة وتعهد باعطاء الاحزاب السياسية مزيدا من الحريات. وقال الرئيس السوداني ايضا (الاجراءات التي اتخذتها تهدف إلى توحيد القيادة حتى اتمكن من اتخاذ قرارات تتسم بالمصداقية بوصفي الحاكم الحقيقي لهذا البلد) . واضاف ان بعض المواطنين اعتادوا التشكيك في قراراته لانهم اعتقدوا ان الترابي هو الحاكم الفعلي. وقال ان مؤسسات الترابي كانت تعتبر الحكومة (ملغية تماما) وانها كانت تتصرف (متناسية ان في حكومة) . واشار إلى أنه لا يخشى أي شيء لان الجيش والشرطة اعربا عن تأييدهما له. وقال في هذا الصدد (لقد ابلغاني (الجيش والشرطة) ان القرار الذي اتخذته تأخر عن موعده) . وأكد قائلا: (التحدي الذي يواجهني الان هو تحقيق السلام وانا مستعد لتقديم مزيد من التنازلات إلى جماعات المعارضة) . وقال ان الوفاق الداخلي والخارجي سيستمر وكذلك التوجه الاسلامي وان الامن مستتب بدليل عدم نزول قوات اضافية (إلا إذا حصل ما يعكر صفو الامن) . وهاجم الترابي والمحيطين به ايضا للتسبب في تدهور علاقة الخرطوم بالدول المجاورة. وقال (انهم السبب في الصورة السيئة للسودان في الخارج) . واعتبر البشير أن الولايات المتحدة قدمت مساعدات قيمتها 400 مليون دولار تقريبا إلى حركة قرنق بسبب السياسات الفوضوية التي انتهجها الترابي ومحيطوه. وأوضح قائلا (دأب عدد من وزراء الحكومة المركزية وحكام الولايات على تجاهل توجيهاتي) . واشار إلى ان حكام الولايات اقاموا ايضا حواجز على الطرق لجمع ضرائب دون سند قانوني في تجاهل لتعليماته. وفي وقت لاحق عقدت هيئة قيادة المؤتمر الوطني (الحاكم) اجتماعاً دام 12 ساعة على دفعتين في مكانين منفصلين. وعقب الاجتماع قال محمد الحسن الامين ابرز مساعدي الترابي, ان القيادة اعتبرت ان ما حدث لا يمثل الحزب وهو بمثابة خروج البشير من صفوفه. وقال ان الهيئة القيادية التي اتخذت قراراتها (بما يشبه الاجماع) دعت الوزراء الموالين للحزب لتقديم استقالاتهم لكنها ارجأت قرارا بطلب استقالة حكام الولايات (الولاة), ودعت الهيئة القيادة لعقد اجتماع عاجل لهيئة الشورى المكونة من 600 عضو لمناقشة الموقف. وطبقاً للمصدر نفسه فقد تشكلت لجنة من داخل الهيئة القيادية لوضع ترتيبات مواجهة الموقف لكنه رفض الكشف عن هذه الترتيبات. كما تشكلت لجنة اخرى تسمى (لجنة المناصحة) وتوجهت للقاء البشير الليلة قبل الماضية. وقاطع الاجتماع كل من البشير ونائبيه والدكتور غازي صلاح الدين والدكتور لام اكول فيما حضره اخرون من المحسوبين على جناح البشير ابرزهم وزير البترول والثروة المعدنية د. عوض الجاز ومحمد الامين خليفة وزير شئون مجلس الوزراء (عضو مجلس انقلاب الانقاذ). في غضون ذلك عاشت الخرطوم حياتها العادية امس وفتحت المتاجر ومكاتب الاعمال ابوابها ولم ترصد مؤشرات لوجود توتر في اي مكان من العاصمة وطافت (البيان) بشوارع العاصمة ولاحظت أن الهدوء يسود المدينة ولكن التغير الوحيد الذي لفت الانظار هو زيادة عدد الجنود خارج مبنى البرلمان ومكتب الرئيس وعلى تقاطع الطرق الرئيسية. الخرطوم ـ البيان
الخرطوم هادئة واروقة الحكم تغلي غداة اعلان الطوارىء، قيادة (المؤتمر) تفصل البشير وتدعو الوزراء للاستقالة
