اعلن الرئيس السوداني عمر البشير الاستنفار الشامل في كل البلاد لمواجهة ما اسماه بـ المخططات الامريكية لتمزيق السودان .جاء ذلك في خطاب حماسي ارتجله البشير في تجمع حاشد تم تنظيمه على عجل في حديقة القصر الرئاسي امس في خطوة اعتبرها مراقبون جانبا من تداعيات الصراع الذي طفح الى السطح خلال المؤتمر العام للحزب الحاكم, بين البشير والزعيم المتنفذ, حسن الترابي, الشهر الماضي. والمح البشير في سياق خطابه امس الى هذا الصراع منددا بـ (الذين يزايدون علينا نحن العسكريين بموضوع الوفاق) دون الاشارة صراحة الى التيار الذي يتزعمه الترابي والذي درج مؤخرا على العزف على وتر الوفاق بكثافة لم تكن معهودة. وتزامن خطاب البشير مع تسريبات اشارت الى اتجاه في اوساط الحكومة يدعو الى التعامل مع المبعوث الأمريكي الخاص في السودان وتوجيه الدعوة اليه لزيارة الخرطوم. ودعا البشير أمام التجمع الذي أعلن عنه فجأة أمس الأول, ومنع المراسلين الاجانب من تغطيته, كل (المجاهدين) الى الاحتشاد في كل الساحات على طول وعرض البلاد بالتدريبات العسكرية في معسكرات مقفولة ومفتوحة للدفاع الشعبي (ميليشيا من المدنيين تساند الجيش الحكومي في حرب الجنوب). وأمام عدد كبير من الوزراء والولاة وكبار قيادات الخدمة المدنية وقيادات الدفاع الشعبي احتشدوا في حدائق القصر الجمهوري, قال البشير ان المرحلة المقبلة ستكون من أصعب المراحل التي تمر بها البلاد (بسبب الاستهداف الأمريكي لجنوب السودن وشرقه طبقا لأجندة أولبرايت وسوزان رايس) . والاثنتان ـ وزيرة الخارجية الأمريكية ومساعدتها للشئون الافريقية ـ تتهمان الخرطوم بتسويق مخططات تهدف لفصل جنوب السودان. وأضاف البشير من دون الاشارة الى أي موقف محدد من المبعوث الامريكي: (أمريكا فشلت في كل رهاناتها السابقة باسقاط الحكومة عبر استعداء دول الجوار وفضلت أخيرا ان تأتينا بنفسها, لكننا لن نسلم لها) . وانتقل البشير الى الشئون الداخلية ليصب جام غضبه على (المزايدين بالوفاق, وأصوات التخذيل التي تتحدث عن الفساد) . وطالب قيادات الخدمة المدنية والوزراء بالالتزام بسياسات الدولة وبرامجها وتقديم ما عندهم (دون الالتفات لأصوات التخذيل التي تتحدث عن الفساد) . وأضاف: (نحن كقيادات ملتزمون, ومن يقول (اننا أفسدنا عليه ان يواجهنا بالأدلة) . وكانت الصحافة السودانية قد كشفت مؤخرا في موجة سرعان ما انحسرت عن فضائح تتعلق بالفساد في مصالح حكومية حساسة, في خطوة بدت انعكاسا لمماحكات بين الاجنحة المتصارعة داخل أروقة السلطة, وانتقل البشير الى موضوع الوفاق: (نحن مع تحقيق الوفاق, ولكن ليس مع الوحدة التي تأتي بأي ثمن) . واضاف: (نحن كقيادات عسكرية لا يستطيع احد المزايدة علينا في موضوع الوفاق لاننا حاورنا المعارضة وهي في المعتقلات والآن وبعد اجازة الدستور الذي كفل الحريات الدينية والسياسية بالقانون لا مبرر لبقاء اي مجموعة في الخارج, غير انه عاد وقال ان الوفاق لا يزال اهم القضايا امامنا وعلى استعداد ان نشرع في الحوار مع كل من تخلى عن حمل السلاح في مواجهة الحكومة. وفي لهجة بدت متسقة مع ما اراد البشير توصيله, قال قائد قوات الدفاع الشعبي علي كوتي: لقد سئمنا من فاوض ويفاوض وعلينا تركيز كل الانظار باتجاه المعركة واضاف: لا مجال للالتفات الى الوراء وعلى كل قيادات الخدمة المدنية ان تشرع من الان في تفريغ منسوبيها في المؤسسات والولايات لمباشرة التدريبات العسكرية للاسهام في مشروع رد العدوان. وقال: بعد التضحيات التي قدمها أبناؤه فإن السودان يجب الا يموت واقفا. وفي دعوة غامضة المرامي دعا الدكتور عبدالرحمن نور الدين وزير الدولة بوزارة القوى العاملة قيادات الخدمة المدنية (بأن تفهم ان الحياد في الخدمة المدنية ليس معناه الحياد عن قضايا الوطن بعد ان اصبح مستهدفا الآن في هويته وعليها ألا تعزل نفسها عن السياسة العامة الملزمة لتطبيقها.