تتدافع التحليلات والتوقعات حول احتمالات التغيير في مؤسسات الحكم التركية بعد الزلزال المدمر الذي ضرب البلاد منتصف الشهر الماضي, وأدى الى خسائر بشرية ومادية فادحة لم تعرف تركيا مثيلا لها من قبل خلال هذا القرن . غير ان معظم التحليلات تركز على المؤسسة العسكرية ودورها المستقبلي, بعد ان اظهرت الكارثة تراخي, وربما اهمال الجيش في مواجهة الكارثة ومساعدة المتضررين, وظهرت, لأول مرة, انتقادات صحافية وشعبية حادة في كثير من الأحيان لدور المؤسسة العسكرية التي كانت تحظى بمهابة كبيرة في الاوساط السياسية والشعبية على حد سواء. كما ان الدمار الكبير الذي اعيد سببه الرئيسي الى الفساد الاداري والتساهل في مواصفات البناء, ربطه الكثيرون بقيادات الجيش وانتشار المحسوبية بينها, مما انعكس سلبا على هيبة الجيش ومؤسسته المهيمنة على السلطة منذ قيام الجمهورية التركية قبل سبعين عاما, وحتى الان. فهل تستطيع المؤسسة العسكرية مواجهة هذه التداعيات؟ وما هي انعكاسات ذلك, بالتالي, على المؤسسة السياسية ممثلة بالاحزاب, وخاصة الاحزاب الرئيسية التي ظلت واجهة السلطة العامة في البلاد بالاستناد الى المؤسسة العسكرية؟ وهل تشمل هذه التداعيات مراجعة تركيا لسياستها الخارجية وعلاقاتها مع دول الجوار, خاصة العربية والاسلامية, والتي شهدت توترات عديدة كادت تصل في بعض الاحيان الى حد المواجهة العسكرية, كما حدث مع سوريا العام الماضي ومع ايران في الآونة الأخيرة؟ هذه التساؤلات وغيرها, قد يبدو من السابق لأوانه اعطاء اجابات دقيقة ومحددة عليها, غير ان طرحها في حد ذاته قد يكون جزءا من الاجابة. حيث يجمع الكثير من المراقبين والمحللين على ان التغيير آت لا محالة, وان كانت اثاره الحقيقية قد لا تتضح في المدى القريب. ويرى البعض في ان بعض الجهات التي بادرت بتقديم المساعدة الى تركيا كان دافعها الرئيسي استشعار احتمالات التغيير الممكنة بعد الزلزال, وهو ما ينطبق بشكل خاص على الموقف الاسرائيلي الذي يتخوف من أي تغيير في السياسة التركية قد يكون باتجاه التقارب مع الدول العربية او التساهل مع التيار الديني الاسلامي المتنامي, ليس على مستوى الاحزاب السياسية ذات التوجه الديني فحسب, وإنما على مستوى الشارع التركي والفعاليات الشعبية بصورة عامة, وهو ما يهدد بتراجع نفوذ ودور القوى العلمانية التي تميل الى التقارب اكثر مع اسرائيل, وتعتبر نفسها جزءا من العالم الغربي, بغض النظر عن انتماء تركيا التاريخي والحضاري, وحتى الجغرافي, الى الشرق العربي الاسلامي. ومهما كان حجم التحولات المرتقبة في تركيا والمدى الزمني الذي يمكن ان تتم فيه, الا أنها تبقى جديرة بالاهتمام والمتابعة, خاصة على المستوى العربي, لارتباطها وتأثيرها المؤكد على المنطقة وعلى الامن القومي العربي بشكل عام.