لم تمض مدة على وفاة الشاعر العراقي الكبير عبدالوهاب البياتي الذي رحل عنا في الرابع من أغسطس الجاري حتى وافاه مساء أمس الاثنين الشاعر اليمني الكبير عبدالله البردوني وكأن قدر الساحة الثقافية العربية ان تودع رموزها وأهم أعمدتها الثقافية قبل ولوج الألفية الثالثة . يعد البردوني مدرسة متميزة في الساحة الثقافية اليمنية, إذ تمتع بعقلية موسوعية وجمع بين الأدب والشعر والنقد والتأريخ كما جمع بين الاتجاهين التراثي والحداثي. ورغم انه لم يكن للبردوني انتماء سياسي أو حزبي محدد إلا انه عرف بميوله الماركسية اليسارية في فترة من حياته تحول بعدها إلى التعاطف مع القوميين والناصريين وكان يؤيد بشدة الرئيس اليمني الراحل ابراهيم الحمدي رغم انه كان أول المتحفظين على حركة 13 يونيو التي قام بها في العام 1973. وعرف عن البردوني ميوله المعارضة للحكام سواء في العهدين الملكي أو الجمهوري وان كان يطلق انتقاداته في الاغلب برؤية متوازنة تحرص على عدم تجاهل الايجابيات. ولد البردوني عام 1928 في قرية البردون بمنطقة الحدأ بمحافظة ذمار (150 كيلومترا جنوب العاصمة) وأصيب بالعمى وهو في الرابعة من عمره اثر اصابته بمرض الجدري الذي ظل يعاني منه مدة عامين. وبدأ البردوني ينظم الشعر وهو في سن الثالثة عشرة وتلقى تعليمه الأولي في كتّاب القرية, ثم انتقل الى ذمار حيث درس العلوم الدينية واللغوية في المدرسة الشمسية وانتقل بعد ذلك الى صنعاء حيث واصل دراسته في المدرسة العلمية ودرس فيها العلوم ذاتها على يد عدد من كبار علماء اليمن في ذلك الحين. للبردوني 26 كتابا منها 15 ديوانا صدر أولها بعنوان (من أرض بلقيس) عام 1961 وكان آخر كتاب صدر العام المنصرم وحمل عنوان (أشتات) الذي ضم مجموعة من مقالاته المنشورة في الصحف اليمنية ليكون بذلك الكتاب الثامن للشاعر الذي صدر خارج اليمن ومنع رقابيا داخل الاراضي اليمنية. وهذه الكتب هي (العشق مرافىء العمر) , (شابت قرناء) , اضافة الى مجموعة من الكتب التي أرخت للتطورات الاقتصادية والسياسية التي شهدها اليمن منذ العهد الملكي وحتى نهايات القرن العشرين. ترأس البردوني اتحاد الادباء والكتاب اليمنيين فترة طويلة وشارك في عشرات المهرجانات العربية والعالمية وكرم فيها اكثر من مرة والى جانب الشعر قدم البردوني الاعمال الاذاعية ويعتبر صاحب اطول برنامج اذاعي في تاريخ الاذاعة اليمنية وحمل البرنامج عنوان (مجلة الفكر والادب) وعلى مدى السنوات التسع المنصرمة كانت له صفحة ثابتة في صحيفة 26 سبتمبر الاسبوعية ومنذ العام 1995 انتظم في الكتابة مع ملحق الثورة الثقافي في اليمن, وكان آخر حوار اجري معه قد نشر الاسبوع المنصرم في صحيفة (رأي) الاسبوعية المعارضة. البردوني الشاعر والمثقف العربي الكبير في مستهل كتابه المرسوم (رحلة في الشعر اليمني ـ قديمه, وحديثه) كتب عبدالله البردوني عن اليمن, وشعرائها, فجمع كل اليمن حاضرها وماضيها بقطعة رائعة من النثر الفني, استعيرها لتكون استهلالا لهذه الرحلة مع واحد من شعراء اليمن, يقول البردوني : هذه الارض التي تشمخ جبالها حتى تتكىء عليها النجوم, والتي تمتد سهولها حتى تتعب اسفار العيون في اجوائها, وهذه الأرض التي تخصب وتخضر حتى تورق الصخور وسطوح البيوت, والتي تجف حتى تعتصر الريح لعابها, وتحتسي الشمس ظلها, هذه الارض المتقلبة الاجواء, المخضرة ـ المكفهرة, الشامخة الممتدة, توحي الشعر ودواعيه بتقلباتها, اذ لاقت الحس الشاعري الاصيل لان منبع الشاعرية منتزع من تقلب النفوس وتغيرات الاطوار والاحوال من حولها, والانسان ابن بيئته, والنبع السائل من لون اناء ارضه, هذه الارض التي تسمى (اليمن) ليمنها, او خصبها, او لموقعها على يمين الكعبة, او على اسم احدى مملكاتها القديمة (يمنات) هذه اليمن اتهمت بالشعر حتى كأن كل ما فيها شعر وشاعر, واتهمت بانعدام الشاعرية حتى كان ليس فيها قلب ينبض ولسان يترجم, وكلا التهمتين جائرة, فليس كل اليمن شعرا وشعراء, ولا هي كلها صمت وخمود, ففي كل مسافة من مسافات التاريخ جاشت فيها قلوب ورؤوس, ورن قصيد, ولمعت حروف) . لا يختلف اثنان من الباحثين في الشعر العربي الحديث على كون عبدالله البردوني واحدا من اهم الشعراء العرب المعاصرين, بل وفي مقدمتهم ايضا. كما لا يختلف اثنان ايضا على ان البردوني استطاع ان يمسك العصا من نصفها كما يقولون, فهو لم يترك القصيدة البيتية, وفي نفس الوقت اجرى فيها الكثير من الاضافات والتطويرات المميزة, وحافظ البردوني على هذه الميزة, حتى ان جمهرة النقاد ومنهم د. عبدالعزيز المقالح اطلقوا عليه لقب الشاعر الكبير, وهو بالفعل شاعر كبير لما انجزه حتى اخر ايامه من تطوير وتحديث من القصيدة في اطار معطياته المختلفة والتي ضمنها في دواوينه الشعرية التي صدرت له. كتب عن البردوني العديد من النقاد, ورغم انني هنا لست في باب الكتابة النقدية بقدر ما اجد نفسي القي كشافا ضوئيا على هذا الشاعر الذي لفت له انظار كل القراء والنقاد من خلال نتاجه الابداعي ليس الا. وممن كتبوا عنه الدكتور عبدالعزيز المقالح. اذ يجد في شعر البردوني تجاوزا للمعارف التقليدية وهو يقول عنه في هذا الاتجاه (خضع شعرنا العربي في معظمه لهذه الظاهرة ـ يقصد بها المقاييس المعمارية في القصيدة العربية ـ التي نشأت معه, وكثير من الشعراء العموديين المعاصرين في الوطن العربي وفي بلادنا لا تخلو اشعارهم من الخضوع للشكل القديم, والرضوخ لبنيته المفككة. لكن شاعرنا البردوني تمكن من ايجاد الترابط العضوي من ابيات قصيدته العمودية, لا من خلال تلك الادوات التقليدية, ولا من خلال وحدة الموضوع وتكرار حروف الروي فحسب, ولكن من خلال تناسق وانتظام البنية اللغوية والايقاع الصوتي, غير المتعمد, ومن خلال القص) . وقد تمرد عبدالله البردوني على قوالب الشعر المتوارثة, وانتقل بشعره الى اساليب فنية غير مطروقة. وإلى ما امتاز به البردوني من قدرة على التصوير الفني, فإن لصوته ايضا خصوصية متميزة الى جانب اساليبه الجمالية في الشعر, خاصة وانه اطلع على تراثنا الشعري العربي, ودرسه وتأثر به, واستفاد من هذا التراث بكل ما أمده من فائدة. مما جعل لشعره اساسا متينا بنى عليه قصيدته الحديثة. كل هذا التميز, وتمكنه من استعمال اللغة المحكمة في رموزه الشعرية بحرية وابداع جعل شعره يكتسب (دلالات جديدة نفسية وحسية) يقول عنه الدكتور عبدالعزيز المقالح في باب دراسته لشعر البردوني (من يقرأ قصائد البردوني وبخاصة تلك التي تضمنتها دواوينه الأخيرة ابتداء من مدينة الغد, يدرك الى أي مدى تتجاوز قدرته على الاداء اللغوي, وكيف يمكنه استغلال الدلالات الرمزية للغة, بالاضافة الى محاولته الدائبة في استخدام الشخصيات الرمزية والأقنعة التاريخية, وقد منح هذا الأسلوب شعر البردوني نكهة خاصة, وأعطاه صوتا متميزا). لقد اتفق أكثر من ناقد على تميز شعر عبدالله البردوني, كما أسلفت, وأجمعوا أيضا على ان من هذه الميزات هو شعره الدرامي, والشعر الدرامي كما يفسره الدكتور محمد محمود رحومة (الشعر الذي يفيد منه امكانيات الدراما وأشكالها المتعددة سواء بالحوار أو القصة, أو التوتر, أو بالفعل الدرامي, وبكل هذه الاشياء مجتمعة, وفي الشعر الدرامي يصطنع الشاعر صراعا اما مع نفسه أي مع ذاته أو مع الآخر). وهكذا نجد ان البردوني قد استغل هذه الخاصية, واتسمت قصيدته بهذه الصبغة الدرامية, ومعالجته للغة, رغم اعجابه هو بلغته, فجعلها جزله وفصيحة تجمع ما بين الحرص على تقاليدها وما بين تفجيرها وتجديدها يقول عنه الدكتور محمد محمود رحومة (ان الظواهر التي نعرض لها مثل الزمن ـ الطفل كرمز درامي ـ الافعال الدرامية الناشطة, ظواهر اخرى للدرامية, كالتمرد مثلا ظواهر خاصة بتجربة البردوني الشعرية, جوهر الدراما في الخطاب الشعري ينبع من كون الشاعر بؤرة درامية تصطرع فيها خيوط كثيرة وتتشكل في اعماقها جدائل الصراع الدرامي وعلى الشاعر ان يمنح هذه الألوان الدرامية, اللغة الدرامية التي تناسبها). استطاع البردوني الشاعر ان ينطق ادوات عديدة في شعره اضافة الى مايذهب اليه البعض بانه وظف الحدث والحركة والسرعة فاحتفاله بالحركة والتحديث اعطى قصيدته شكلا دراميا وحدد الدكتور محمد محمود رحومة حركتين في هذا الاطار وقد اولى النقاد بمختلف اتجاهاتهم اهمية كبيرة لتوظيف البردوني العديد من الظواهر التي اعتبروها تحديثا للقصيدة العربية في اطارها الكلاسيكي دون تجاهل قدرته على استعمال الالفاظ الشعبية, وجعلها معبرا الى العديد من المفاهيم واسلوبا للتوصيل الجماهيري, دون خدش لغته الفصحى والامثلة كثيرة, ويشير النقاد ايضا الى قدرته على توظيف الالفاظ العصرية والاستخدامات الجديدة من سخرية مريرة الى العديد من هذه التوظيفات العصرية التي احدثت انقلابا جذريا في قصيدة البردوني, واخرجته من حالة السكون البيتي الى حالة من التفجيرات الشعرية العديدة والتي جعلت من قصيدته حديثة في كلاسيكيتها, وكلاسيكية في حداثتها, انه حالة من الابداع, لاتكون الا عند البردوني, ولا تتكرر عند شاعر بسيط, وهذه سمة من سمات الشعراء الكبار, تذكرنا حداثة البردوني, بحداثة امرىء القيس, او بشار او المتنبي, او كبار شعراء العربية الذين شكلت قصائدهم منعطفات واضحة في شعرنا العربي. اما موقف عبدالله البردوني من الشعر الحديث بشكله الآخر, فمازال هذا الموقف غامضا ولكنه موقف (لايتسم بالرفض ولكنه ايضا لا يتسم بالقبول). ان الحديث عن البردوني وقصيدته يحتاج الى كثير من الصفحات والجهد حتى يستطيع القارىء اخذ الصورة المتكاملة عن هذا الشعر ولكني وجدت ان خير خلاصة اختتم بها هذه الرحلة, استعارة ما كتبه الاستاذ الدكتور الطاهر احمد مكي عن عبدالله البردوني, ففي هذه الخلاصة اختصار وايجاز وشمول وكلمة عالم حق, يقول الدكتور الطاهر احمد مكي: ان البردوني لم يبدع في البناء التراثي وحسب بل بلغ من التطور والتجديد مبلغا لم تبلغه الاقلة, جدد في البناء نفسه ولم يخرج عنه فابتدع اوزانا موسيقية خاصة وشارك الشعراء المحدثين في استخدامات حديثة لبعض الاوزان, واستخدم انظمة في الوقف تتجاوز حدود الشطر والتفعيلة والبيت, وقف يخضع لايقاعه النفسي, ولزفراته التي نسمعها من خلال زفرات المتلقي لشعره. وابدع في اللغة فاستخدم معجمه الخاص بعد رحلة شاقة في الاشتقاق والتوليد,واستخدام الكلمات الغريبة النادرة والاجنبية دون تكلف او عمد وله خصائص لغوية جديرة بالبحث المستقل المتعمق, كما استحدث اساليب شعرية من مجموع ثقافاته وتشعبها وتعددها, فاستخدم الموروث بكل صوره, دينيا وتاريخيا وشعبيا واسطوريا, ووظفه ببراعة في تجربته المعاصرة وعمد الى الوان من الصور الشعرية لم تكن من قبل. هي رحلة ابداعية حافلة يصعب الالمام بها, رحلة لن تتوقف رغم رحيل صاحبها فاثاره باقيه ومستمرة, وقدرته الكبيرة على تحدي وضعه الصحي درس لمدى قدرة الانسان المبدع على قهر ظروفه والمضي قدما مضحيا بكل شي لاجل نشر الثقافة وخوض غمارها الصعبة.