تشهد صناعة اللحوم وخصوصا الاغنام في بريطانيا كارثة لا سابقة لها مع تدني اسعارها لمستويات هي الاولى من نوعها حتى العام الحالي, ومما زاد من سوء هذه الكارثة موافقة مجلس الوزراء البريطاني قبل عدة اشهر على التعليمات الموجهة من بروكسل, مركز المفوضية الاوروبية, الخاصة بالمراقبة الصحية على مصانع تعليب وتغليف اللحوم ومذابح الاغنام وغيرها من الماشية. وهذا القرار يعني ان على وزارة الصحة البريطانية ان توظف فورا اكثر من 400 خبير بيطري ستحتاج لاستقدام بعضهم من دول اخرى كاسبانيا, لتوفير مراقبة صحية على مدار الساعة داخل مصانع اللحوم. يذكر ان هذه المصانع هي من يقوم بدفع اجور هؤلاء الخبراء وليس وزارة الصحة وبالتالي ستواجه هذه الصناعة ضغوطا مالية كبيرة يتوقع ان تجبر اكثر من 200 شركة على الخروج من السوق واغلاق اعمالها نهائيا. وفي تقرير لها عن هذه الكارثة, ذكرت صحيفة (صنداي تلجراف) انها تلقت اتصالا هاتفيا من احد مواطني الريف البريطاني كشف فيه عمق الصدمة التي تعيشها السوق الزراعية البريطانية حيث اكد احد مربي الماشية بأن رجلين من مربي كلاب الصيد قد اخذا للتو احد العجول من عنده. وقد اعتذرا عن التأخير يوما كاملا للقدوم اليه لان المزارعين على الطريق كانوا يستوقفونهم لاطلاق النار على اكثر من 40 عجلا يوميا بهدف التخلص من نفقات ابقائها على قيد الحياة. وذكر المزارع للصحيفة بأن الرجلين قالا له بأن تلك كانت اسوأ مهمة يقومان بها حتى الآن وانها سببت لهما الضيق والازعاج كثيرا. وتتهم المعارضة الحكومة البريطانية بأنها منذ الاول من اغسطس الجاري جعلت من القيام بمجزرة لنصف مليون من رؤوس الماشية امرا لا مفر منه, وذلك بايقاف دعمها لمربي الماشية وفرضها رسوما بقيمة 10 جنيهات استرلينية مقابل اعطائها جواز سفر اوروبياً ودمغة على الاذن لكل رأس في الوقت الذي لا تتجاوز قيمة رأس الماشية في السوق الحالية 40 بنساً. ويقول جون وارمردام وهو مزارع اغنام من منطقة ارجيلشاير البريطانية ان اكثر من مليون غنمة ستعدم في بريطانيا خلال الخريف المقبل. فانهيار اسواق لحوم الاغنام واصوافها الى جانب الارتفاع الشديد في الرسوم الادارية في مذابح الاغنام قد جعلها سلعة لا قيمة لها نهائيا وغير قابلة للبيع والتداول في الاسواق. ولم يجد وارمردام غير السخرية المريرة للاحتجاج على هذا الواقع عندما وضع لافتة على بوابة مزرعته كتب عليها (ادفع جنيها واحصل على خروف) وبكلمات اكثر جدية يقول: (لا اعرف كيف سيمكننا قتل كل هذه الاغنام من دون استدعاء قوات الجيش) . ومهما كانت حالة مربي الماشية متردية العام الماضي, فإنها تعد اكثر ترديا هذا العام, حيث الاسعار تتدهور لكل منتجات هذا القطاع, فكل رأس يباع الآن بسبعة جنيهات اقل من تكلفة انتاجه, بينما ارتفعت تكلفة حصاد العلف الى 100 جنيه للطن الواحد, اما القمح مثلا فمازال حتى الآن في ادنى مستوى له من الاسعار. ولم ينج مربو الدجاج من هذا الانهيار, حيث انهارت منتجاتهم بعد ان تشبعت السوق بالدجاج التايلاندي الرخيص. بينما الصوف اصبح لا قيمة له حيث الاطنان منه يتهددها التخلص بالحرق. ولم تعرف بريطانيا مثل هذه الكارثة الا منذ ربع قرن مضى حينما وقعت الحكومة البريطانية اتفاقية السياسة الزراعية العامة, والتي تهدف المادة 39 منها لتحقيق (استقرار في الاسواق) وضمان (مستويات عادلة من المعيشة) للمزارعين!