من المفترض أن سعر أية ورقة مالية يتم تداولها في البورصة هو محصلة كل البيانات والمعلومات المتعلقة بهذه الشريحة التي أصدرت تلك الورقة - خلال لحظة التداول. وهذا السعر الذي يفترض أيضا أنه سعر (عادل) ـ في الظروف القياسية ـ يجب أن يمنح المستثمر نسبة ربح معقولة تتناسب مع معامل المخاطرة, وتكفي لجعل الاستثمار في هذا الوعاء بالذات, أي وعاء الأسهم, جذابا إذا ما قورن بغيره من الأوعية الاستثمارية. ما يخرج بنا عن هذا الإطار المنطقي هو إما غياب المعلومات وانتشار الشائعات بدلا منها, أو غياب الفهم الصحيح للبورصة ـ كرئة استثمارية ـ وانتشار منطق المقامرة بدلا منه. ولم يكن ليخرجنا من هذا إلا إعلان نظام السوق الرسمية للأوراق المالية, ووضع آلية محكمة للرقابة على أدائها. فالسوق الرسمية تضمن شفافية المعلومات, ولجنة الرقابة تضمن محاصرة عقلية المقامرة وتصفية محاولاتها الدائمة للتربح العاجل والكبير عن طريق ممارسات غير قانونية. ولكن ما هو غير قانوني يتضح فقط حين يكون هناك قانون يعرف أولا ما هو قانوني. وهذا ـ أي مشروع قانون ضبط التداولات ـ ما انتهى منه الخبراء الآن تمهيدا للإعلان عن ولادة سوق الأسهم والسندات الرسمية في الإمارات الشهر المقبل. معلومات (البيان) توضح أن مشروع القانون الذي اكتمل بالفعل يتضمن ضوابط فعالة لضمان حقوق المستثمرين, صغارا وكبارا. فقد أعطيت هيئة الرقابة صلاحيات تجعلها قادرة على ضبط الأداء والحيلولة دون انحرافه إلى مزالق المقامرات والمضاربات غير المسؤولة. ويعني هذا أن مستثمرنا الوطني بوسعه الآن الاطمئنان تماما إلى أن دخوله إلى سوق الأسهم هذه المرة سيكون دخولا آمنا, وأنه لن يخرج منها (على نقالة) إلا لو حاول أن يتجاوز هامش المخاطرة المسموح, أو أن يكسر القانون. ذلك أن البورصة هي في بداية المطاف ونهايته مركز لتجميع الاستثمارات الوطنية وضخها في عروق التنمية الاقتصادية. إنها ليست (كازينو) للقمار, ذلك أن مهمتها بالغة الحيوية لأداء اقتصادنا الوطني.. إنها بمثابة القلب المالي لأسواقنا جميعا. وبوسعنا الآن أن نجعل منها بداية لوضع مشوار التنمية في سياقه الصحيح. فالشركات باتت الآن تحصل على (تصويت) المستثمرين كي تواصل أداءها لعملها. وهي تفعل ذلك على (أرض متساوية) , أي من دون امتيازات خلفتها شائعات لا أساس لها, ولكن في مناخ من الإفصاح الكامل, وعلى أساس من استحقاقها الفعلي لذلك. قد نخطئ في البداية, ولكننا سوف ندقق في جوانب قانون البورصة مع تقدم العمل في صالات التداول بها, وسوف نرصد سلبيات هنا وأخرى هناك لنتقدم إلى معالجتها فورا. هذا كله مفهوم وطبيعي. ما هو غير مفهوم وغير طبيعي أن نفقد للحظة واحدة إصرارنا على جعل البورصة قناة التمويل الأساسية لمشروعاتنا وعلى الحيلولة دون انزلاقها إلى مستنقعات المقامرة والتربح السريع. سوف يصبح التداول ـ بعد أيام ـ فوق الطاولة. وعلى مستثمرينا أن ينفضوا الآن الغبار الذي علق بأسهمهم.. أن يخرجوها من الخزانات الصامتة.. أن يتقدموا بها إلى صالات التداول بيعا وشراء, فسوف يربحون, وسوف يربح الوطن. لقد أراد قادة هذا البلد أن يوفروا لأبنائه أمان الاستثمار, وأن يجعلوا من السوق حكما على أداء الشركات, وأن يتيحوا للمستثمرين جميعا, صغارا وكبارا, فرصا متساوية للربح. فإن آثر أحد هؤلاء المستثمرين تجاوز تخوم المخاطرة وحواجز القانون فعليه وحده مغبة ذلك, وإن بقي الجميع في تلك الساحة المشمسة التي توشك أن تفتح أبوابها, منضبطين ملتزمين بقوانينها, فلهم ولبلدهم ثمار ذلك. كتب عصام الدين عبد العزيز