بعد طول انتظار, ومراوحات ما بين تأكيد التأجيل والنفي, تصل وزيرة الخارجية الامريكية الى المنطقة مطلع الشهر المقبل, على اجنحة القلق والترقب, لما ستسفر عنه الجولة, وتبديد علامة استفهام كبيرة حول استجابة اولبرايت لحد الانصياع لرغبة ايهود باراك لتأجيل زيارتها.. فهل تحل اولبرايت جملة مقترحات لتحريك عملية السلام ام ستقتصر على اطلاق بالونات الدعاية لاطروحات باراك؟ مسؤولون في السفارة الامريكية في القاهرة اكدوا لـ (البيان) ان الزيارة لن تكون بروتوكولية كما يتصور البعض, مشيرين الى ان اولبرايت لو ارادت لزيارتها ان تقتصر على الجانب الدعائي والتنشيطي لما قامت بتأجيلها عدة مرات في انتظار توافر الظرف المناسب بين اطراف التسوية ولاستكمال الاتصالات مع الدول العربية واسرائيل بحيث يكون حضورها للشرق الاوسط مثمراً بدلاً من الوقوع في دائرة الخلافات مرة اخرى, كما ان اولبرايت قامت باجراء العديد من الاتصالات التليفونية مع فاروق الشرع وزير الخارجية السوري وياسر عرفات واطلاعهما على موقفها قبل الاعلان رسمياً عن تأجيل الزيارة. ورفض الدبلوماسيون الامريكيون ما أسموه (هيمنة بعض التصورات في العالم العربي بأن امريكا تريد الانسحاب من عملية التسوية, مؤكدين ان واشنطن لم تتنازل عن مسؤوليتها الدولية خاصة ان تحقيق السلام في الشرق الاوسط يعد استراتيجية امريكية ثابتة بصرف النظر عن نوع الادارة التي تحكم البيت الابيض. وكشف الدبلوماسيون الامريكيون ان اولبرايت تعطي اولوية لكافة المسارات التفاوضية وان كانت التصريحات الصادرة عن واشنطن تركز حالياً على دفع المسار السوري فإن ذلك لا يعني ان الولايات المتحدة لا تضع المسار الفلسطيني على قائمة الاولويات, لكن واشنطن تدرك ان اسرائيل والفلسطينيين قد توصلوا لاتفاقات محكمة ولم يعد عليهم سوى تنفيذها وصولاً الى المرحلة النهائية, كما انه لا توجد مشكلة عملية في لبنان حتى من وجهة نظر الحكومة الاسرائيلية, ولذلك فإن الجهد الحقيقي الذي ينبغي تكثيفه هو على المسار السوري للوصول الى اتفاق ملائم يضمن تحقيق السلام الشامل والعادل تتويجاً للمسيرة التي بدأت برعاية امريكية في مدريد عام 1991. وعلى هذه الخلفية فإن الزيارة المتوقعة لأولبرايت سوف تتضمن نقطتين اساسيتين هما, التأكد من ان الفلسطينيين والاسرائيليين قد حسموا خلافاتهم حول المرحلة الانتقالية كما حددتها الاتفاقات الموقعة, وصياغة مشروع التفاوض فيما يتعلق بالوضع النهائي واعلان الدولة الفلسطينية, اما النقطة الثانية فهي الوصول الى نقطة لقاء مشتركة بين سوريا واسرائيل يمكن من خلالها بدء عملية التفاوض خاصة ان الخلاف الحالي بين البلدين يتركز حول مشكلة واحدة هي (من اين نبدأ) فسوريا تريد ان تستكمل مشروع التفاوض الذي بدأ في عهد اسحق رابين, فيما يطرح باراك بعض المخاوف الامنية المشددة ويطالب بتعاط اكبر فيما يتعلق بسحب اسلحة المقاومة في جنوب لبنان وعملية تطبيع العلاقات بين البلدين. التصريحات الامريكية يبدو انها لا تجد قبولاً لدى الفلسطينيين, وعلى حد قول السفير محمد صبيح مندوب فلسطين في جامعة الدول العربية لـ (البيان) فإن تأجيل الزيارة في حد ذاته يثير الكثير من علامات الاستفهام, فمسألة تنفيذ اتفاق واي بلانتيشن لا تحتاج الى جدل, كما ان الرئيس عرفات وافق على منح مهلة لايهود باراك حتى الأول من سبتمبر لتنفيذ ما جاء في الاتفاق برعاية امريكية فما الداعي لتأجيل تنفيذ الاتفاقية. واضاف صبيح ان السياسة الفلسطينية الحالية ترتكز على بعدين اساسيين هما عدم اعطاء الفرصة لباراك للتنصل من تنفيذ الاتفاق او دمج المراحل, والبدء فورا في الاعداد للمرحلة النهائية بعد التزام اسرائيل بتعهداتها التي وقعت عليها الحكومة السابقة, ام البعد الثاني للسياسة الفلسطينية فهوالحفاظ على الدور الامريكي باعتباره الراعي الرئيسي لعملية التفاوض اذ ان عملية التسوية تعد مسؤولية دولية تصدت لها الولايات المتحدة الامريكية منذ سنوات ولا ينبغي التراجع عنها. بعض المراقبين في القاهرة يشاركون المسؤولين العرب مخاوفهم غير انهم لا يتصورون ان يكون تأجيل زيارة اولبرايت ارهاصاً لانسحاب امريكي من عملية التسوية برمتها, وان كانوا يتحسبون لتداعيات نهاية عصر كلينتون مع اقتراب موعد الانتخابات الامريكية الامر الذي يؤجل المسيرة اشهر اخرى, فالدكتور وحيد عبدالمجيد, الخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في (الاهرام) , يؤكد انه لا يمكن تصور ان واشنطن سوف تنسحب من رعاية التفاوض بهذه الصورة البسيطة التي عبر بها باراك عن رغبته, وحتى الادارة الامريكية حاولت عدة مرات تخفيف الصورة التي بدا بها كلينتون متعاطياً بصورة ايجابية مع ما طرحه رئيس الوزراء الاسرائيلي خلال المؤتمر الصحفي بينهما في البيت الابيض, كما ان الامريكيين يعلمون ان الاوروبيين ينتظرون فرصة للتدخل فيما يجري ويبدون حماسة اوسع واعمق مما تظهره واشنطن, كما ان موقفهم بشأن الحقوق العربية على يسار الادارة الامريكية وفي غير صالح اسرائيل او المصالح الامريكية في المنطقة. ويضيف الخبير الاستراتيجي ان باراك كان احد انصار اتفاقية واي بلانتيشن ووقف مدافعا عنها في الكنيست الاسرائيلي عندما وقع عليها بنيامين نتانياهو وهي مسألة قد تكون ايجابية خاصة ان الفلسطينيين شددوا عليها, كما ان عرفات يحاول التحلي بصبر واسع المدى حتى لا يعطى لباراك فرصة للتوقف والتحجج بالتعنت الفلسطيني. لكن المشكلة لا تكمن في المرحلة الانتقالية بقدر ما تتركز في المرحلة النهائية خاصة ان لاءات باراك كانت حاسمة ولم تواجه بلاءات عربية مقابلة, في الوقت نفسه الذي يبدو فيه الواقع العربي اكثر تدهورا من ذي قبل بعد تفاقم الخلاف السوري الفلسطيني والتعثر في جهود عقد القمة العربية او الخماسية, ويضيف عبدالمجيد ان المهم في زيارة اولبرايت ان يطرح خلالها اطارات عامة للمرحلة النهائية بحيث لا يستمر مسلسل التنازلات من الطرف العربي في قضايا لا تحتمل المزيد من التأجيل او المراهنات كقضية القدس او المستوطنات او اللاجئين او المياه. ويتساءل عبدالمجيد هل تأتي اولبرايت الى المنطقة لتبدأ مرحلة جديدة تحسم فيها قضية التسوية قبل موعد انتخابات الرئاسة الامريكية؟ ام ان رحيل كلينتون القريب من البيت الابيض قد لا يعطيه الفرصة لاستكمال المسيرة, ويجعله اقل اهتماماً بما يجري على صعيد الصراع العربي الاسرائيلي؟ دلالات ومؤشرات هامة تحملها زيارة اولبرايت المقبلة الى المنطقة للاجابة على هذه التساؤلات, وما زال الشرق الاوسط ينتظر وزيرة الخارجية الامريكية. القاهرة ــ مكتب البيان