يثير كسوف الشمس الذي يشاهده اليوم اكثر من الفي مليون شخص رعب الانسان منذ قرون بعيدة ويتيح انتعاش ورواج الاساطير التي تتولد من رحم الخوف من الغيب والظواهر الخارقة . وتنحدر كلمة كسوف في اللغة العربية من كلمة كسف اي قطع والكسوف بمعنى الاحتجاب اشارة إلى احتجاب قرص الشمس خلف القمر والكاسف هو عظيم الهول شديد الشر اما في اللغات الغربية خاصة الانجليزية فتأتي الكلمة (اكلبس) اي الكسوف مشتقة من كلمة يونانية قديمة تعني الهجر وهو ما يعكس شعور القدماء بأن الشمس هجرت الارض. وخشيت حضارات انسانية كثيرة من ان حلول الظلام ينذر بنهاية العالم. وكان الأزتيك يهابون الكسوف لان الشياطين تنطلق من معاقلها وتنزل لتأكلهم. وتحدثت أساطير قديمة عن وحوش في الكون تلتهم الشمس. وفي قبائل شمال أوروبا كان الكسوف ذئبا يسمى سكول وفي فيتنام ضفدعة عملاقة وفي الارجنتين فهدا وفي سيبيريا مصاص دماء. وكان الصينيون يذبحون عجولا في محاولة لتهدئة التنين الهائل الذي يهم بابتلاع الشمس, واعتقد الهنود انه وحش يأكل الشمس. وعندما يظلم النهار كان هنود شيبوا بالولايات المتحدة يطلقون سهاما مشتعلة لاضاءة الشمس. وكان اليابانيون يخشون كسوف الشمس لدرجة توقفهم عن العمل في هذا اليوم الذي يفرج فيه أيضا عن مسجونين. واعتقد البابليون ان الكسوف تسببه وحوش جائعة تلتهم القمر لاشباع شهيتها, بل ان كسوف الشمس لعب دورا في انهاء حرب في العالم القديم. وسجل المؤرخ اليوناني هيرودوت ان كسوف الشمس عام 585 قبل الميلاد مر بميدان معركة بين الليديين والماديين. فأظلمت الدنيا وتوقف القتال وحل السلام. وبمرور الزمن لم تهدأ حمى الكسوف. ويحكى ان كسوف الشمس أنقذ المستكشف كريستوفر كولومبس من الدفن حيا بواسطة قبائل في جمايكا سئمت تزويده بالمؤن هو وطاقم سفينته التي تحطمت على صخور الجزيرة عام 1504 حيث كان يعرف بقرب وقوع الكسوف فاشار الى السماء وقال ان الله سيغضب اذا حدث لهم مكروه0 واظلمت الدنيا وصدق سكان الجزيرة تحذير كولومبس. هذا وقد تدفق الاف من البشر على اقصى جنوب غرب انجلترا لمشاهدة الكسوف. وقال البريجادير وليامز جيج منسق الكسوف في بريطانيا والذي أطلق عليه أمير الظلام (نتوقع وصول مليون زائر) . ونظرت شعوب كثيرة الى ظاهرة الكسوف على انها تنين مرة وغول تارة او حيوانات مختلفة وارواح ظلام او كائنات سماوية احيانا اخرى تقوم بالتهام الشمس لذا لجأت شعوب كثيرة فى العالم بدءا من الصين وانتهاء الى حضارات الهنود الحمر مرورا بمنطقتنا العربية ( حتى وقت قريب للغاية) لاصدار جلبة وضوضاء شديدة لحظة الكسوف لازعاج الوحش وارغامه على الفرار تاركا ( شمسنا ) تعود لامدادنا بضيائها الابدى. وكان هنود قبائل (شيبوا) الحمر فى الشمال الشرقى من امريكا الشمالية يعيدون اضرام الشمس من جديد اثناء الكسوف باطلاق الاسهم المشتعلة من اقواسهم الى كبد السماء لمساعدة الشمس على التوهج من جديد, فيما كان الصينيون يلجأون لاصدار اصوات عالية واطلاق الصواريخ النارية التى اشتهروا بصناعتها منذ القدم لابعاد التنين الذى يقوم بافتراس الشمس اما الازتيك فى امريكا الوسطى فكانوا يقدمون قرابين بشرية من الاشخاص ذوى الحدب والاقزام لارضاء الروح التى تهم بحرمانهم من الضياء. ومن خلال تحديد موعد كسوف القمر الذى وصفه الكتاب المقدس ( التوراة والانجيل ) بأنه حول قرص القمر للون الاحمر الدموي عقب (صلب السيد المسيح) استطاع العالم كولن هيمفريز من جامعة كامبريدج توقع تاريخ ( اليوم الذى مات فيه النبي عيسى ) على ما زعم بانه يوم الجمعة الثالث من ابريل عام 33 بعد الميلاد. وتقول المخطوطات التى خلفتها حضارة الازتيك المكسيكية العريقة ان النساء كن يندبن والرجال كانوا يبكون ويصرخون لحظة الكسوف ( لان الارواح كانت هابطة فى طريقها لالتهامنا ) . ومنذ العصور المبكرة قامت علاقة وثيقة بين العلم وظواهر كونية ابرزها الكسوف اذ سجل البابليون على ألواحهم الحجرية قائمة باحداث الكسوف التى شهدتها حضارتهم تعود للالفية الثالثة قبل الميلاد اى منذ ما قبل ستة الاف عام. ويعتقد ان حضارة المايا فى امريكا الوسطى طورت علوما بدائية تستطيع من خلالها توقع توقيت الكسوف ومن المحتمل كذلك ان يكون الانجليز القدماء الذين شيدوا ما يعرف الان بــ (ستون هنج) فى انجلترا قد توصلوا الى كيفية توقع موعد الكسوف الا ان الشائع ان اول من توصل الى ذلك كان الفيلسوف الاغريقى طاليس (من 625 الى 546 قبل الميلاد ) رغم ان ذلك لم يثبت علميا لانتفاء الدليل الاثرى العلمى القاطع. الا ان الطريقة التى نظرنا فيها الى الكسوف بدأت تشهد تحولا كبيرا اثناء تطور العلوم الحديثة عبر القرنين الماضيين. وقبلها شهد عصر النهضة قصص استفادة مكتشفين وعلماء من جهل الكثيرين بحقائق الكسوف. وقد ظهرت قصص واساطير كذلك عن الكسوف فى الاداب الغربية منها الكتاب ( يانكى من كونيكتيكت فى بلاط الملك آرثر) لمؤلفه القصاص الشهير مارك توين الذى روى فيه قصة هانك مورجان الذى حذا حذو كولومبوس مستغلا معرفته بموعد كسوف شمسى كلى لتخليص نفسه من الاسر. وكلها قصص تعكس ما يمكن ان يحدث عندما يواجه العلم متسلحا بمعارفه المخاوف الكامنة فى العقل البدائى. ويفترض البعض حماقة الشعور بالخوف من مناسبة كونية مثل الكسوف ويقول الكاتب بريان بريوير فى كتابه ( كسوف) (ليس هناك من حاجة للخوف من الكسوف مع تقدم معارفنا العلمية وعلينا التمتع بتجربة رائعة حول جمالية الطبيعة) . ولكن العلم الحديث على اى حال لن يمنع الكثيرين منا من الانسياق وراء المشاعر التى يثيرها ابتلاع القمر لظل الشمس فى مشهد مهيب. وننقل لاولئك المتخوفين للغاية شهادة عالم الفلك ديفيد ديربورن حول مشاعره ازاء الكسوف (لقد رأيت العديد من مشاهد الكسوف وفى كل مرة اشعر كم هى تجربة رائعة ) . ويضيف العالم ( لا يهتم العلماء بالكسوف لمجرد الظواهر التى يمكن رصدها أثناءه بل ايضا لكل هذا الجمال والاشياء المثيرة التى تحدث خلال منتصف النهار عندما يفترض ان تكون الشمس هناك) . ورغم ان العلماء سيحاولون استغلال الكسوف لمعرفة بعض الاسرار العلمية ومنها لغز التراوح الرهيب بين درجة حرارة سطح الشمس وحرارة الهالة المحيطة بها الا ان المؤكد كذلك ان الظاهرة ستكشف لنا اسرارا اخرى اكثر حميمية تتعلق برد فعلنا البشرى ازاء المجهول الأتى من السماء وهل سنستطيع التخلص من ربقة العقل البدائى الذى نحمله جميعا داخل لا وعينا البشري. ـ الوكالات