اتصلت (البيان) بالمقر الرئيس لصندوق النقد الدولي في واشنطن, لاستطلاع ردة الفعل لقرار إقالة رئيس الوزراء الروسي سيرجي ستيباشين. ودار حديث مع الناطق باسم الصندوق فاسوكي شاسدري الذي قال (سنواصل سياستنا بالتعاون مع روسيا بصرف النظر عن الأشخاص.. نحن لا نتوقع أن تغييرا سيطرأ على موقف موسكو من الإصلاحات الاقتصادية. ولم نسمع شيئا يوحي بذلك. وحتى تصلنا أخبار بغير ذلك سنواصل ما نفعله) . سألناه (وهل تتوقعون أخبارا بغير ذلك؟ ألم تشهد مكاتبكم إذن حالة طوارئ بعد هذا التغيير؟) . فقال (كلا, البتة. لا اجتماعات أو غرف عمليات, الأمور تمضي كالمعتاد.) . يبدو إذن أن روسيا تمكنت أخيرا من تغيير معايير العمل الصحفي. إذ لم تعد إقالة رئيس الوزراء كل أربعة أشهر خبرا بالمعنى الذي نعرفه. الخبر هو ألا يقال رئيس الوزراء الروسي. أن يبقى ـ مثلا ـ لمدة عام كامل. ولكن لماذا أقيل سيرجي ستيباشين حقا؟ حين زار رئيس الوزراء (الراحل) واشنطن قبل أسبوعين, التقى بحشد من رجال الأعمال الأمريكيين في إحدى قاعات فندق انتركونتيننتال ويلارد المعروف.. شرح ستيباشين خطواته الإصلاحية الجديدة بعد أن أنهى توقيع اتفاقية (افراج) صندوق النقد الدولي عن 5.4 مليارات دولار من القروض الطازجة لروسيا. وبعد أن انتهى من حديثه نهض أحد رجال الأعمال الأمريكيين وسأل ستيباشين قائلا (شركتنا حصلت على حكم من محكمة أمريكية وأخرى روسية في نزاع مع شركة (..) لديكم. حكومتكم لم ترغب حتى الآن في مساعدتنا على تنفيذ الحكم.. أنتم تعرفون من هم أصحاب هذه الشركة الروسية. هل بوسعكم تنفيذ الأحكام القضائية في نزاعات تجارية أو مالية حتى لو كانت ضد بعض من هم من ذوي النفوذ عندكم؟) . ورد رئيس الوزراء الروسي بسرعة (طبعا, سننفذ الأحكام القضائية بصرف النظر عن الجهة التي صدرت ضدها.. من ذوي النفوذ أو من غير ذوي النفوذ) .. ثم صمت رئيس الوزراء للحظات, ليقول بعدها وقد اتسعت ابتسامته (أرجو ألا يغضب من كلماتي هذه أحد منهم) .. وضجت القاعة بالضحك. وأضاف ستيباشين (إنني لا أمزح. أرجو فقط ألا تستفز هذه العبارات أحدا) . ولكن ليس بوسع المرء أن يحقق كل ما يرجوه في هذه الدنيا, خصوصا لو كان سياسيا.. وفي موسكو. وهو سيرك سياسي بالفعل. ولكنه سيرك غير مسل. إذ أن هذا التغيير المتواصل يعكس قدرا مقلقا من عدم الاستقرار. ويأمل العالم أن تستقر الأوضاع في روسيا, ذلك أنها ـ على الرغم من كل الظروف ـ تبقى لاعبا كبيرا في هذا الشطر من العالم.. على الأقل. لكن بوريس يلتسين ـ على عكس ما يقوله كثيرون ـ يتصرف على نحو منطقي تماما. فالأوضاع الاقتصادية في روسيا تحتاج إلى وقت طويل للوصول بها إلى مرحلة الاستقرار, إن كانت ستصل أبدا. ويعني ذلك أنه لم يبق أمام الرئيس الروسي إلا أن يقوم ـ بين فينة وأخرى ـ ببيع رئيس وزرائه لشراء المزيد من الوقت.. صفقة لا بأس بها, ولكنها لا يمكن أن تستمر إلى ما لانهاية. ما يفعله الرئيس الروسي ـ إذن ـ إزاء معضلة اقتصادية صعبة الحل هو استخدام المؤسسات السياسية ـ بما في ذلك مقاعد رئيس الوزراء ووزرائه ـ في لعبة تشبه ركض القط وراء ذيله للإمساك به. ويأمل يلتسين أن يمسك بالذيل في انتخابات ديسمبر المقبل, فيضع طاقما من ذوي الولاء المطلق لجماعته حتى لا تتمكن المعارضة من تصفية الحسابات. إنها لعبة سياسية في لحظة تصعب خلالها المشاركة في لعبة اقتصادية. فحسابات الساحة الاقتصادية مختلفة تماما. لقد وقع رئيس الوزراء المقال اتفاقا بقرض 5.4 مليارات دولار كان قد تفاوض بشأنها سلفه يفجيني بريماكوف, وسوف يتسلمها خلفه فلاديمير بوتين. لكن المشكلة الحقيقية ليست في هذه (المسكنات) . ذلك أن الاقتصاد الروسي قد تحول إلى بئر بلا قاع. وانقاذ هذا الاقتصاد لن يتحقق عبر حقنة قروض تليها أخرى. فضلا عن هذا, فإن ثقوبا إضافية تطرأ الآن على ثوب ممزق بالفعل. ففي داغستان هناك جبهة أصولية جديدة يمكن لها أن تستنزف قدرات اقتصادية نادرة, هذا إن كانت موجودة أصلا. وهكذا, فإنه لا صندوق النقد الدولي, ولا أي جهة أخرى, تتوقع أي تغيير في روسيا على الجبهة الاقتصادية. المشكلات ستبقى كما هي, و(الجماعات) ستبقى كما هي, والنزيف سيستمر, الوجوه فقط هي التي ستتغير. كتب - عصام الدين عبدالعزيز