تطرح جريدة(الفيجارو)الفرنسية سؤالا يبدو الآن شائعا: لو كانت قضية حزب العمال الكردستاني قضية عادلة دائما يوظف لها سبل كفاح عادلة دائما, فلماذا قبل الحزب ـ الآن ـ بالانسحاب من شرقي تركيا ووقف الكفاح المسلح؟.. وهو سؤال واحد من أسئلة كثيرة أعقبت نداء عبدالله أوجلان لحزبه بالانسحاب وإلقاء السلاح, وتزايدت بعد قبول الحزب لدعوة أمينه العام. يرتبط الأمر إذن باعتقال أوجلان وصدور الحكم بإعدامه. إذ يبدو أن هذه القضية, وليست القضية الكردية, هي التي أدت إلى (انتحار) حزب العمال الكردستاني ـ كحزب ـ لإنقاذ رقبة زعيمه, فيما كان كثيرون يعتقدون ـ حتى وقت قريب ـ أن لدى الحزب قضية عادلة يدافع عنها, تتعلق بمعاناة الأكراد وليس برقبة شخص واحد. وهناك أسباب ـ شائعة أيضا ـ لطرح هذا السؤال (الفرنسي) . ذلك أن أطرافا دولية وإقليمية كثيرة طلبت من حزب العمال الكردستاني وقف كفاحه المسلح في مناسبات سابقة لا حصر لها, ولكن أوجلان كان يرفض بعناد, فهي ـ في نظره ـ (قضية شعب) , وأسلوب (عادل) لمواجهة الاضطهاد كما كان يكرر دائما.. رفض الرجل في كل الظروف حتى مناقشة الأمر. أما الآن فإنه يدعو, ويستجيب الحزب, طالبا ـ فحسب ـ تأمين قواته عند الانسحاب بعد أن تلقي بأسلحتها. ولكن هل يمكن اختصار القضية كلها إلى (الزعل) من عبدالله أوجلان؟ إلى اتهامه بأنه مجرد من الأخلاق الثورية أو غير الثورية؟ تبدو هذه الأسئلة مضحكة حقا لأن سقوط عبدالله أوجلان لم يكن من قبيل المصادفة أصلا. فقد بات واضحا منذ بعض الوقت أن تضاريس جديدة تتشكل في هذه المنطقة من العالم. ولم تكن هذه التضاريس لتسمح بوجود أوجلان ورجاله, بصرف النظر عن أخلاق الرجل. يعني ذلك ـ باختصار ـ أن المشهد الذي سنراه في الإعلام بعد أيام, أي مشهد انسحاب مقاتلي حزب العمال الكردستاني من شرقي تركيا, يبدو أمرا منطقيا. ما عداه لا يبدو كذلك, بل كان على (الفيجارو) أن تلاحظ أن هذا الفصل من قضية حزب العمال الكردستاني كان في حقيقته من تأليف وإخراج أوروبي. إذ إن أوروبا هي التي عرضت صفقة تعليق إعدام أوجلان إلى أجل غير مسمى مقابل انسحاب مقاتليه من شرقي تركيا. ولكن لماذا؟ إمدادات أوروبا من احتياطات الغاز الهائلة في تركمانستان واحتياطات النفط الهائلة ـ أيضا ـ في آسيا الوسطى يجب أن تمر عبر بحر قزوين ومنه إلى تركيا فميناء شيهان على البحر الأبيض المتوسط. ذلك أن الشركات الكبرى وجدت كنزا يبحث عنه الأوروبيون, بل يبحث عنه الجميع. المشكلة أنها لا تستطيع أن تحمله لتخرج به من المكان الذي عثرت عليه فيه. وهناك اختياران للخروج, كلاهما ضروري. أي أن أحدهما لا يصلح بديلا للآخر. الأول هو إلى الشرق, أي إلى تركيا, وهو طريق يعترضه النزاع بين أرمينيا وأذربيجان, ثم يعترضه بعد ذلك النزاع بين الأكراد والأتراك ليصل بعد ذلك إلى أوروبا الظمئة للطاقة. أما الثاني فإنه يمر جنوبا عبر إيران أو أفغانستان ليصل إلى السوق الآسيوية الأكثر ظمأ. وحيث ان المسار الإيراني يبدو مؤجلا لبعض الوقت, فإن مسار أفغانستان هو المطروح من الوجهة العملية. ويبدو أن الأحداث التي تأتينا كل صباح تؤكد ذلك. ويكفي أن نلاحظ أنه بعد أيام قلائل من اعتقال أوجلان تم توقيع عقد إنشاء خط الغاز العملاق الذي يمتد من تركمانستان إلى تركيا. ويكفي أن نلاحظ أيضا أن شركة ميرهاف الإسرائيلية كانت وسيطا رئيسا لتوقيع هذا العقد بين الحكومة التركمانستانية والكونسورتيوم الأمريكي (بي. إس. جي) . والكونسورتيوم المذكور يضم العمالقة بحق, إذ أن به شركتي بكتل وجنرال اليكتريك. المشروع كان مدروسا منذ سنوات. ولكن تم إدخاله إلى (الثلاجة) حتى يتم تأمين مساره وتذليل العقبات التي تعترضه.. وقد أفلح الإسرائيليون في تذليل عقبة ممانعة أذربيجان لمرور الخط في أراضيها, ولا ندري بعد, كم كان الثمن؟ ثم أفلح الأمريكيون في تذليل عقبة الممانعة الروسية, فقد برهن اختبار كوسوفو على (قلة حيلة) موسكو, حتى أن مسؤولا أمريكيا بارزا صرح قبل يومين من إعلان أوجلان دعوته بوقف الكفاح المسلح أن المعارضة الروسية حول قانونية اقتسام المناطق المائية في بحر قزوين (وهي مناطق سيمر ببعضها الأنبوب المقترح) لن توقف المضي قدما بالمشروع. وبعد ذلك أفلح (البعض) في تذليل عقبة أوجلان. بقي فقط ـ بعد اعتقال الرجل ـ استخدام ورقته لحل ورقة حزب العمال الكردستاني. وقد أبدى الرجل تعاونا إيجابيا وتفهما بناء بحق! سيرحل حزب العمال الكردستاني إذن بعد صفقة تتحدث عنها الآن الصحف الأوروبية, بألا يعدم الأتراك أوجلان مقابل أن يقوم هو بإعدام حزبه. وهي صفقة رابحة, ليس فقط للأوروبيين الذين بوسعهم الآن التطلع إلى شيهان طلبا للغاز, ولكن للأتراك أيضا. صحيح أن هناك مرارات (شخصية) ضد أوجلان الذي قض مضاجع أنقرة طويلا, ولكن متى كانت المرارات أو القبلات والأحضان تصنع مصالح؟ المصالح موجودة, وهي الأساس, ما يأتي بعد ذلك ـ مرارات أو قبلات ـ يجب تطويعه تطويعا للمرور من بوابتها. من هنا فإن كلام (الفيجارو) ذا المسحة الأخلاقية يبدو ـ من دون تعال من أحد ـ بلاهة صافية. بل إن نداء أوجلان لحزبه يأتي أيضا في سياق منطقي. فقد (حسبها) الرجل بسرعة. لقد تخلت عنه أوروبا, وتخلى عنه الروس من قبل (بسقوط الاتحاد السوفييتي), ثم تخلى عنه أصدقاء إقليميون آخرون لحسابات تتعلق بهم.. كانت كل التضاريس تتشكل بسرعة لتؤشر إلى بدء مرحلة جديدة, وهي مرحلة لا يمكن إجبارها على ابتلاع أوجلان أو رجاله المسلحين. من هنا رأى عبدالله أوجلان أن عليه أن يفعل الآن ما سيجبر على فعله لاحقا على أية حال. ومن هنا أيضا نرى الآن من يفركون أكفهم ابتهاجا وهم يترقبون مشاهدة مقاتلي حزب العمال يحملون أمتعتهم راحلين عن تركيا. إلا أن مأساة الشعب الكردي ستبقى. ففي كل ما يحدث الآن يخرج هذا الشعب الذي أثخنته جراح قرون, وأثقلت كاهله آلامها, خاسرا وحيدا. كتب - عصام الدين عبدالعزيز