رغم ان ركاماً هائلاً من الرسائل الواردة يومياً عبر شبكة تدفق المعلومات في المؤسسة ينطوي على أخبار الموت باعتباره الطابع الغالب على أحداث العالم غير ان رسالة ذات سطرين فقط استوقفت رئيس واسرة التحرير في (البيان) لكأن الموت الذي ابلغت عنه حدث استثنائي . لم يكن الراحل يشغل منصباً قيادياً على أي صعيد لتكتسب الرسالة الواردة عبر الفاكس اهتماماً تقليدياً لكنه ظل يشغل مكانة مرموقة في قلوب اسرة (البيان) لذلك احدثت الرسالة ذات السطرين صدمة تجاوز وقعها سياق رد الفعل التقليدي مع الموت اليومي. أحسب ان الصدمة ستطال قطاعاً غير محصور من قراء (البيان) الذين الفوا مصطفى كمال كاتباً ومحللاً ومترجماً, فقد كان من رعيل المؤسسين لـ (البيان) وظل فيها 16 سنة. لابد ان العديد من هؤلاء وغيرهم يذكرون جموح خياله ورقة عبارته ونفاذ حجته في زاوية (الى اللقاء) التي كان يوقعها (ميم كاف) ومجادلته شخصية فرضها على قرائه باسم (كاف ميم) . كان مصطفى كمال مثقفاً شديد الوفاء والالتزام والاعتداد, عمل في صحيفة الجمهورية القاهرية حتى بلغ فيها رئيس قسم ولانه شديد الوفاء لمؤسسته رفض اغراء بالانتقال الى مؤسسة أكثر جاذبية وصيتا. في حفل وداع متواضع اقامه رئيس التحرير على شرفه في 24 مايو 1996 قال مصطفى كمال انه لايعرف كيف يغادر مؤسسة قضى فيها أكثر محطات عمره استقرارا, واضاف انه غير قادر على الكلام اذ غالبته الدموع التي احتبست في عينيه على الكلام. كان مصطفى كمال صادقاً في موقعه ذلك, فرغم رحيله عن دبي ظل دائم الحضور على صفحات (البيان) منتظماً في مساهماته الاسبوعية في (الملف السياسي) كان ــ يرحمه الله ــ وفياً لمهنته فلم يكن قانعاً باحالة نفسه الكاتبة الى التقاعد فظل وكأنه ابن العقد الثالث دعوياً على ملاحقة جديد المطابع الصادر في اللغة الانجليزية خاصة اذ كان مصطفى كمال شديد الاعتداد بادائه كمترجم محترف, وظل في هذا المجال صاحب ابداع نادر يراوح بين خيال الاديب وبرجماتية السياسي. كان مثقفاً ملتزماً بوطنه, فقاده ذلك الى السجن تسع سنوات في عهد جمال عبدالناصر, لكن وفاءه فوق التزامه جعله دائماً أكثر المتحمسين للدفاع عن ناصر ضد موجات التغول التي اعقبت رحيل الزعيم المصري, الهجمة التي تعرض لها اليسار المصري في عهد السادات هي التي حملته لمغادرة وطنه الى المنفى الاختياري قبل المجيء الى (البيان) , وكما كان ناصرياً في منفاه كان مصطفى كمال مصرياً في غربته. غير ان هذا الانتماء لم يصب يوماً افقه العروبي بغشاوة ضبابية. بعد عودته الى بنها في محافظة القليوبية بمصر ساهم مع ابنه الطبيب ــ هشام ــ في اقامة مركز طبي في مسقط رأسه (كوم الاطرون) وفاء لأهل قريته, كان يحاول ــ في بنها ــ مغالبة احساس بغربة حقيقية عايشها في وطنه الام بعد سني الغربة, لم يجد رفاق صباه, بعضهم ضرب مثله في فجاج الارض وبعضهم رحل قبله الى العالم الاخر. في هروبه من الوطن واليه ظل مصطفى كمال حسن ابو العينين حريصاً على ممارسة الكتابة, فقبض على قلمه حتى اللحظات الاخيرة من حياته, كسر ساقه في الايام الاخيرة لكن العديد من اسرة التحرير لم يعرف انه كان يتوكأ على قلمه ليحافظ على حضوره الاسبوعي لذلك جاءت رسالة نعيه صدمة) .