صنعاء مشغولة هذه الأيام بسيرة صحفيين انتقل أحدهما الى الدار الآخرة, فيما يرقد الثاني طريح منطقة وسطى بين الحياة والموت . انشغال العاصمة اليمنية بالرجلين نابع من مصدرين, الأول يتمثل في نجومية الصحفيين, وأما المصدر الآخر فيتمحور حول الملابسات التي أنهت حياة الرجل الأول وهو الدكتور عبدالعزيز السقاف صاحب مؤسسة (يمن تايمز) وتلك التي غيبت وعي عبدالله سعد رئيس تحرير صحيفة الوحدة ومراسل (البيان) في صنعاء. فقد خطف الموت السقاف في حادث سيارة بينما كان يعبر شارعا عاما لكن قطاعا عريضا من مجتمع صنعاء لم يتقبل الحادث الأليم قدرا عارضا, بل اعتبره تصفية جسدية مدبرة. وقد انزلقت قدم عبدالله سعد من على درج قصر في شبوبة بينما كان بصحبة الرئيس اليمني علي عبدالله صالح في جولة بحضرموت, وكذلك لم يتقبل البعض في صنعاء الرواية الرسمية للحادث ونشرت صحيفة الوحدة احدى الروايات التي يتداولها مجتمع صنعاء وتشكك في مجملها بالرواية الرسمية. نجومية السقاف ومواقفه مثل نجومية سعد ومواقفه, ساهمتا في عدم قبول الروايتين الرسميتين للحادثين المأساويين, ففي رصيد كل منهما ما يحرض على نسج روايات من حكايا المؤامرة التي تفرخ عادة في مثل هذه الظروف. كان السقاف استاذا جامعيا ومثقفا ملتزما بيمنيته, وكان رئيسا للجنة حقوق الانسان والحريات في المجلس الاستشاري, وقد دأب على التعبير عن مواقف وطنية تتميز بنفاذ في الرؤية وجرأة في الرأي. أكثر من ذلك لم يكن السقاف مصنفا في تنظيم حزبي, لكنه كان مؤسسة قائمة بحالها تأخذ الاحزاب ما يصدر عنها بالاعتبار, إذ ان ما يقوله السقاف يلقى صدى طيبا في قواعد الاحزاب. وكان السقاف محل احترام من قبل أحزاب النظام والمعارضة, لكنه كان مصدر قلق للمعسكرين كذلك. هذا بالضبط ما جعل قطاعا عريضا من وسط صنعاء لا يصدق ان يفقد الدكتور السقاف القدرة على عبور شارع عام وهو يشق طريقه بثبات وسط تضاريس سياسية متباينة وشائكة. ثمة قناعة يمكن ترويجها بسهولة في وسط مثل وسط صنعاء بأن حادث السيارة ضد السقاف مدبر, ذلك ان وجهات عديدة لها مصلحة حقيقية في تصفيته. لكن يمكن القول ان الجميع في معسكري النظام والمعارضة شعروا بعد رحيل السقاف انهم فقدوا رجلا كبيرا ترك فراغا ليس من اليسير الحصول على قامة بوعي كبرياء والتزام السقاف يمكن ان تسده. وظل عبدالله سعد صاحب التزام سياسي في توجه مضاد تماما للنظام, كان دائما في المعارضة, دخل السجن ثمنا لمواقفه المناقضة لتوجهات السلطة. في الفترة الأخيرة طرأ على مقالات عبدالله سعد مستجدات ليس ممكنا القول ان الرجل غير مواقفه من المعارضة الى النظام, ولكن ثمة تقارب يمكن تلمسه بوضوح بين الرئيس اليمني علي عبدالله صالح وعبدالله سعد. لم تكن جولة حضرموت هي الرحلة الأولى التي يرافق فيها عبدالله سعد الرئيس. أصدقاء سعد يؤكدون ان شخصية الرئيس قربت اليه سعد, وان رئيس تحرير (الوحدة) لايزال ملتزما بخطه السياسي المعارض للسلطة حاليا. كان بين عبدالله سعد مراسل (البيان) وبيني علاقة اشتباك يومية بحكم العمل. عندما كلفني رئيس التحرير بالسفر الى صنعاء شعرنا كلانا ــ سعد وأنا ــ من الفرح الذي يلامس زميلين يربطهما الهاتف سنوات وتحين فرصة للقاء مباشر. عشية السفر الى صنعاء جاءنا النبأ بنقل عبدالله سعد الى المستشفى. عندما وصلت الى العاصمة اليمنية وجدت صديقي قد رحل الى منطقة وسطى بين الحياة والموت. الذين يشككون في الرواية الرسمية للحادث يشيرون الى مرحلة العداء المستحكم بين الصحفي سعد والنظام, هؤلاء ينفون انزلاق قدم الزميل ويعددون روايات متباينة لكيفية وقوع الحادث. البعض يزيد ان شقيق عبدالله سعد طرح نفسه مرشحا للرئاسة في الانتخابات المقبلة.. بعض من هؤلاء يضيف الاهتمام الاستثنائي الذي أحاط به الرئيس الزميل سعد منذ الحادث, إذ أمر بنقله فورا في طائرة خاصة مصحوبا بطاقم طبي رفيع الى المستشفى العسكري, حيث تم استدعاء أفضل الاختصاصيين في مستشفيات وعيادات صنعاء لمراقبة حالة سعد. الرئيس اليمني زار سعد في المستشفى ووجه بنقله الى مركز طبي أكثر تخصصا في بلد عربي, لكن الاطباء ينتظرون ان تتحسن حالة سعد قليلا حتى تتحمل حالته السفر. صنعاء ــ عمر العمر