على اثر حرب اعلامية شعواء اندلعت بينه وبين المثقفين المصريين على صفحات الصحف وتأكدت هزيمته في جولتها الأولى نقل السفير الأمريكي بالقاهرة دانيال كيرتزر ساحة المعركة الى المقاهي وصار يمارس الان ما يمكن ان يطلق عليه (دبلوماسية المقاهي) في مناطق القاهرة الاثرية مثل حي الحسين والسيدة زينب لتغيير الانطباع المرسوم عنه في اذهان المصريين بصفته يهودياً ينحاز بالضرورة الى اسرائيل على حساب الحقوق العربية. وفي لقاءات اسبوعية منتظمة يدخل كيرتزر في سجالات مع روائيين مصريين وصحفيين وكتاب ساعياً الى تجميل صورة الولايات المتحدة الأمريكية في أعين كل هؤلاء ومحاولاً محو اثار ما لحق به من هجوم شرس جوبه به عند وصوله الى القاهرة أول مرة في نوفمبر قبل عامين وأدى الى حصاره اعلامياً آنذاك. وقتها تأهبت الأوساط السياسية لمعارك طويلة محتملة مع السفير الجديد خاصة أنه كان أحد الأعضاء البارزين في فريق دنيس روس, الوسيط الأمريكي الخاص بعملية السلام في الشرق الأوسط, الذي يحظى بسخط عام لدى تيارات اليسار في مصر والتي ترى أن أطروحاته للتسوية تتضمن انحيازا كاملا لإسرائيل على حساب الحقوق العربية, ولم تستطع بعض الصحف الوطنية المصرية تجاهل الأصل اليهودي الذي ينتمي له كيرتزر والتلميح بأن مرجعيته الدينية تفرض عليه تلقائيا التعاطف مع اسرائيل, ان لم يكن العمل من أجلها. غير أن الحال تبدل كثيرا خلال أقل من عام واحد, فالسفير صار ضيفا دائما على أحياء مصر الاسلامية خاصة منطقة مسجد الإمام الحسين وأصبحت مقاهي هذا الحي التاريخي العريق أحد أبرز الأماكن التي يعشق السفير الأمريكي ارتيادها, وخلال أشهر قليلة صار السفير صديقا للعديد من النخب المصرية في المجالات المختلفة, سياسيا وفكريا وثقافيا واعلاميا, ونجح بمساعدة طاقم عمل خاص في السفارة في تبديد العديد من الهواجس التي أحاطت به في القاهرة قبل تولي مهام منصبه الدبلوماسي. وعلى مقاهي حي الحسين الشهيرة عقد كيرتزر أهم لقاءات الدبلوماسية وأطلق من هناك أبرز تصريحاته السياسية وصار وجها مألوفا لرواد المقاهي الذين ما أن يتعرفوا على هويته حتى يتسابقون لالتقاط الصورة التذكارية أو التوجه بأسئلة حول العلاقات المصرية الأمريكية من وجهة نظرهم, وأحيانا السؤال عن تأشيرة للهجرة الى (أرض الأحلام) . وآخر لقاءات دبلوماسية المقاهي جرت خلال الأسبوع الماضي حيث كان المستشار الثقافي للسفارة الأمريكية على موعد مع مجموعة من الروائيين المصريين ذوي المرجعية اليسارية في سابقة هي الأولى من نوعها, حيث حضر هذا اللقاء الروائي البارز محمد البساطي والأديب الشاب عبدالحكيم حيدر والمثقف اليساري صاحب سلسلة الأعمال العالمية المترجمة ابراهيم منصور والروائي ابراهيم أصلان, الذي تخلف عن اللقاء لظروف العمل, وخلال اللقاء دار نقاش واسع بين الجانبين حول الثقافة الأمريكية ومحاولات الهيمنة التي تسعى واشنطن لفرضها على العالم وبدا الدبلوماسيون الأمريكيون لساعات في موقع دفاعي أمام هجوم المثقفين المصريين على المضامين العنيفة التي تحملها الأفلام الأمريكية وعلى عدم تبلور ثقافة أمريكية يمكنها, بدون تدخل عوامل الهيمنة السياسية, أن تنافس الثقافات الأوروبية في الشعر والأدب والمسرح, أو الثقافة العربية بتراثها الابداعي الكبير. القاهرة ــ مكتب البيان