انخرط المسؤولون الليبيون في محادثات مكثفة ومزدوجة مع الفرقاء السودانيين في مدينة سرت الليبية في غمرة اشارات متصاعدة نحو انفراج في الازمة السودانية عبر تحقيق وفاق وطني تنشط للاسراع به كل من ليبيا ومصر , في وقت اعلن مسؤول سوداني رفيع لاول مرة ان نظام جبهة الانقاذ الحاكم في السودان مستعد لمغادرة الحكم. واستقبل الزعيم الليبي معمر القذافي امس الاول زعيم المعارضة السودانية الزائر محمد عثمان الميرغني قبيل محادثات طال انتظارها بين هذا الاخير ونائب الرئيس السوداني علي عثمان محمد طه. وقالت وسائل الاعلام الليبية الرسمية ان اللقاء الذي تم في مدينة سرت الساحلية بين القذافي والميرغني رئيس التجمع الوطني الديمقراطي الذي يضم المعارضة الشمالية والمتمردين الجنوبيين يندرج في اطار الجهود التي يبذلها القذافي (لتحقيق المصالحة بين الحكومة السودانية واطراف المعارضة وحل المشاكل بينهما سلميا وتجنيب السودان مطب الحرب الاهلية ومحاولات تدويل قضيته وعدم افساح المجال للقوى التي تسعى الى زرع الفتنة واستمرار نزيف الدم بهدف ان يصبح السودان صومالا اخر) . وكان القذافي استقبل في طرابلس في الثامن من مايو الجاري القطب الاخر في المعارضة السودانية الصادق المهدي رئيس الوزراء السوداني السابق ورئيس حزب الامة. من جهة اخرى, اعلن التلفزيون الليبي وصول وفد حكومي سوداني كبير برئاسة نائب الرئيس علي عثمان محمد طه امس الاول الى ليبيا, واشار الى ان هذا الاخير التقى القذافي في وقت لاحق امس. ولم يقدم التلفزيون ايضاحات عن برنامج زيارة هذا الوفد, الذي سبق وقدم تقارير متضاربة حول لقاء مرتقب بينه وبين وفد ضخم يقوده الميرغني ويضم قيادات حزبه (الاتحادي الديمقراطي) وطائفة الختمية الصوفية التي يتزعمها, من بينهم شقيقه الاصغر, احمد الميرغني رئيس مجلس الخماسي السابق الذي كان على رأس الحكم في السودان قبل ان يطيح به انقلاب عسكري قاده الرئيس الحالي الفريق عمر البشير عام 1989م. وعقد الوفد الحكومي السوداني اجتماعا موسعا في سرت مع وفد ليبي ضم مسؤولين كبار على رأسهم امين اللجنة الشعبية العامة. ولم يتسن الحصول على تفاصيل مادار في الاجتماع بخلاف تصريحات (روتينية) عن بحث العلاقات الثنائية ودفع مجالات التعاون على مختلف الاصعدة. لكن مصدرا عليما طلب عدم ذكر اسمه قال لــ (البيان) ان الوفد الليبي سيبدأ في سرت اجتماعات منفصلة مع وفد المعارضة السودانية تمهيدا لجمع الوفدين السودانيين في اجتماع مشترك بحضور مسؤولين ليبيين. وقال المصدر ان الجانب الليبي سيتولى مهمة تقريب وجهات النظر بين الطرفين السودانيين في القضايا التي سيتم بحثها. ورفض المصدر الخوض في تفاصيل اكثر لكنه كشف ان اللقاء بين القذافي والميرغني تطرق الى جانب من القضايا المدرجة في اجندة لقاء الميرغني ــ طه. واضاف ان اعضاء وفدي الفرقاء السودانيين سيلتقون مع القذافي بعد المحادثات التي لم يحدد مدى زمني لها. ويأتي اللقاء بين نائب الرئيس السوداني وزعيم المعارضة في المنفى, بعد مرور اقل من شهر على لقاء مثير للجدل تم في جنيف بين القطب الاخر في المعارضة السودانية الصادق المهدي, وصهره الذي يوصف بالعقل المدبر للنظام, الدكتور حسن الترابي الامين العام للحزب الحاكم ورئيس المجلس الوطني (البرلمان) ويكتنف الغموض نتائج هذا الاجتماع الذي تمخض عنه ــ وفق تقارير غير رسمية ــ عقد مؤتمر شامل لكافة القوى السياسية السودانية تمهيدا للاتفاق على حل سياسي للازمة يعقبه تشكيل حكومة وحدة وطنية يناط بها اجراء انتخابات حرة ونزيهة. وفي اشارة ذي صلة اعلن وزير الخارجية السوداني, مصطفى عثمان اسماعيل, لاول مرة امس ان حكومة الانقاذ الحالية على استعداد لمغادرة الحكم بعد تأسيس نظام سياسي يقبل الحكومة والمعارضة معا (ولكننا لانريد ان نكون اليوم في السلطة وغدا خارج السودان نعمل على تخريب بلدنا) . ونسبت وكالة الأنباء الكويتية لاسماعيل الذي يزور الجزائر حاليا, قوله من هناك: (نحن على استعداد لمغادرة الحكم) . واعتبر اسماعيل ان عودة الرئيس السابق جعفر النميرى الى السودان مؤشر على تطبيع الاوضاع داخليا بعد اقرار قانون التوالي السياسي(التعددية الحزبية) وهو مايعني ان نظام البشير قد يتراجع عن التمسك بما درج على الزعم بأنها ثوابت. وكان وزير الخارجية السوداني قد وصل الاربعاء الماضي الى الجزائر في زيارة نقل خلالها رسالة خطية من الرئيس السودانى الى نظيره الجزائرى. وقال الوزير السودانى في مؤتمر صحافي أمس ان بلاده ترغب في ان تلعب الجزائر دورا يرمي الى التعجيل بحل عدد من قضايا السودان الداخلية . واوضح اسماعيل فى ختام زيارة له دامت ثلاثة ايام انه (بامكان الجزائر ان تلعب دورا مهما في دفع الجهود السلمية القائمة بهدف وضع حد للنزاع المسلح الدائر منذ عقود مع متمردى جيش الجنوب السوداني) . واشار الى ان للجزائر وزنا اقليميا وقارىا ولديها علاقات متينة مع القوى الاقليمية والكبرى ذات الصلة بالقضايا الداخلية للسودان (وبامكاننا ان نستفيد من ذلك) . وقال وزير الخارجية السودانى ان الرئيس الليبي معمر القذافي لايزال يعمل على ازالة الخلافات وهو يبذل جهودا حثيثة بغرض دفع الوفاق في السودان وللتوصل الى اتفاق يشمل جميع الاطراف الداخلية. طرابلس ــ سعيد فرحات