أغرق الرئيس الروسي بوريس يلتسين بلاده أمس في دوامة جديدة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي اثر قراره باقالة رئيس الوزراء يفجيني بريماكوف وهو القرار الذي سعى الى تبريره بدفع الاستقرار في البلاد قدما, واثار القرار عاصفة من ردود الفعل تهدد بقاء يلتسين ذاته في منصبه حيث دعا مجلس النواب الروسي (الدوما) يلتسين الى الاستقالة وذلك عشية بدء مناقشة حول عزله في خطوة قد تشل حركة النظام السياسي. ففي خطوة بدا ان يلتسين يستبق بها المناقشة حول بدء اجراءات عزله اليوم في الدوما قرر يلتسين اقصاء بريماكوف من منصبه وعين سيرجي سيتباشين وزير الداخلية رئيسا للوزراء بالنيابة. وفي تبريره لقرار الاقالة قال يلتسين في كلمة متلفزة بعد ساعات على القرار ان الخطوة تأتي نتيجة بعد روسيا عن الاستقرار. وقال يلتسين ان (حكومة بريماكوف نجحت في لجم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية) من دون ان تجد حلا لها. واضاف (ومع اننا بدأنا تدريجيا تقدير الحكومة من وجهة النظر السياسية) فان الوضع على المستويين الاقتصادي والاجتماعي( لا يزال بعيدا جدا عن الاستقرار) . لكن يلتسين اقر بأن رصيد رئيس الوزراء السابق (لايزال مهما جداً) و(خصوصاً بسبب خصاله الشخصية) . ووجه القرار بمعارضة شديدة من قبل كل من المعارضة والأحزاب الاصلاحية ووصفوه بأنه خطأ يمكن أن يزعزع الموقف السياسي الهش في البلاد. وصوت مجلس النواب الروسي (الدوما) أمس الاربعاء بغالبية كبيرة على قرار يدعو يلتسين الى (تقديم استقالته) , وذلك عشية بدء مناقشة حول اقالته, وأقر النواب القرار بغالبية 243 صوتا في مقابل 20. وجاء في القرار (نظرا للوضع القائم يطلب الدوما من الرئيس الذي زج البلاد مجددا في ازمة حكومية ومستقبل غير اكيد ان ينهي ولايته مبكرا وان يستقيل) . وكان النواب ولا سيما الشيوعيين منهم طالبوا مرارا باستقالة يلتسين, لكن هذا التصريح الجديد جاء عشية بدء الدوما النقاش حول اقالة يلتسين الذي وجهت اليه خمس اتهامات. وكان رد فعل النواب عنيفا على اقالة بريماكوف فقد أيدوا في غالبيتهم ترشيحه في سبتمبر الماضي. واضاف نص القرار (اننا نعتبر ان لا اساس لاقالة الحكومة ورئيسها بريماكوف ونتيجتها ستكون تدهور الوضع في البلاد وزعزعة العلاقات بين فروع السلطة والقضاء على جميع جهود الاستقرار في المجالين الاقتصادي والاجتماعي) . ودعا الدوما الشعب الى الهدوء وجميع عناصر قوى الامن في روسيا الى مضاعفة الحذر خلال تأديتهم مهامهم. وطلب النواب من اعضاء مجلس الاتحاد عقد جلسة عاجلة لبحث الازمة الحكومية. وهدد الشيوعيون والقوميون بنقل احتجاجاتهم الى الشوارع, محذرين من أن اقالة بريماكوف ستكون العمل الأخير الذي يقوم به يلتسين. وسيناقش الدوما اعتبارا من اليوم الخميس وسيصوت مبدئيا السبت على التهم الخمس الموجهة الى يلتسين في اطار اجراءات الاقالة التي لو ثبتت ستواصل لاحقا امام هيئات روسية أخرى. وحتى الان فان مصير يلتسين ليس مضمونا حسابيا. لكن هناك فرصة لاقرار التهمة المتعلقة بحرب الشيشان حسب تقديرات الدوما. وقد اعلنت كتلة المعارضة الليبرالية (يابلوكو) التي تضم اربعين نائبا انها ستصوت الى جانب هذا الاتهام, واذا تم تبني واحدة على الاقل من التهم الخمس بأغلبية الثلثين (300 صوت), تنقل العملية الى المحكمتين العليا والدستورية قبل ان يبت فيها في النهاية مجلس الاتحاد (الغرفة العليا في البرلمان). ويرى معظم المراقبين انه حتى وان لم يكن يلتسين في كل الاحوال مهددا بشكل فوري بالاقالة بسبب طول الاجراءات ونتائجها غير المضمونة, فان مزاجه قد يدفعه الى اعتبار الاجراء (تعرضا للذات الملكية) . ويعتبر المعلقون الروس ان قرار يلتسين باقالة بريماكوف ياتي كرد انتقامي على بدء اجراء الاقالة. وبسبب تعقيد اجراء الاقالة والخلل في الاداء البرلماني فانه قد لا يصل في اي حال الى ذروته قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة المقررة في العام الفين. كما اعرب الروس في الشارع أمس الاربعاء عن معارضتهم الشديدة لاقالة بريماكوف متخوفين من ازمة اقتصادية جديدة بعد ان سئموا من الالاعيب السياسية للقادة الروس. ولاحظ مراسلو وكالة فرانس برس ان الروس لم يفاجأوا باقالة بريماكوف بعد ان اعتادوا على التعديلات الوزارية وهم يتوقعون الاسوأ. ويعتقد المراقبون السياسيون ان الرئيس يلتسين (منح) من خلال قراره عزل رئيس الحكومة من منصبه فرصة كبيرة لكي يكون أقوى المرشحين القادمين لمنصب الرئاسة في الانتخابات الرئاسية المقرر اجراؤها في ديسمبر اذا ما قدر لها ان تجري في مواعيدها ومن دون عراقيل (سياسية) . كما يتوقع المراقبون الا ينجح ستيباشين في الجولات البرلمانية الثلاث التي ستخصص لمناقشة اقرار ترشيحه لمنصب رئيس الحكومة, وهو ما قد يؤدي الى حل الدوما, ومن المقرر ان يناقش تعيين سيتباشين 19 مايو المقبل. وفي أول تصريح له تعهد ستيباشين أمس بان الحكومة ستواصل السير على طريق الاصلاحات الاقتصادية في البلاد, وأضاف لقد عملت الحكومة السابقة الكثير من اجل تحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي, واستطرد قائلا: لدينا اليوم هدف واحد هو التقدم بخطوات واضحة وحاسمة للاصلاح الاقتصادي بتوجه اجتماعي. وأعرب سيتباشين عن دهشته من تعيينه مشيرا الى انه لم يكن يتوقع ابدا ان يكون على رأس الحكومة, وحث الوزراء على الاستمرار وتقديم المزيد من الجهد. وقد سادت التوقعات في روسيا بأن تؤدي اقالة بريماكوف الى عرقلة حصول روسيا على قرض من صندوق النقد الدولي بما سيلقي بتأثيرات سلبية على الموقف الاقتصادي المتردي اصلا في روسيا. وأعربت الولايات المتحدة عن أملها في ان تواصل روسيا سيرها على طريق الاصلاح الاقتصادي معتبرة اقالة بريماكوف شأنا داخليا, فيما أعرب قادة أوروبا عن اعتقادهم باستمرار الدبلوماسية الروسية على ذات الأسس التي تقوم عليها. وقد القت الأزمة بظلالها على أسواق, المال الروسية وعلى اليورو ايضا. ــ الوكالات
