بعد قطيعة دامت اكثر من ربع قرن كشف الكاتب الصحفي الاشهر محمد حسنين هيكل عن تفاصيل لقاء مع العقيد معمر القذافي قائد الثورة الليبية في 13 مارس الماضي بقصر القبة بالقاهرة . وكعادته ضمن هيكل مقال تنشره مجلة (وجهات نظر) المصرية اليوم تحت عنوان (حوارات مع القذافي) اسراراً عن علاقة القذافي بالرئيس الراحل انور السادات واسباب خلافهما الذي وصل حد الاشتباك مرات وتبادل الاتهامات والالفاظ الحادة. وروى هيكل ان القذافي في آخر لقاء بينهما في مكتبه بجريدة (الاهرام) ظهر يوم 26 اكتوبر 1973 جاءه غاضبا معاتباً لان المشير (الراحل) احمد اسماعيل علي وزير الحربية منعه من دخول غرفة العمليات ليعرف تفاصيل الموقف العسكري والاوضاع على الجبهة العسكرية في سيناء يوم 22 اكتوبر, واشتكى من الاهانة التي تعرض لها, والحرج الذي وجده لدى القائد العام, رغم انه اتصل بالرئيس السادات لدى وصوله القاهرة وطلب منه السماح له بدخول غرفة العمليات. وفي رأي هيكل ان القذافي له الحق كصديق موثوق به وكجار مباشر استخدمت ارضه عمقا استراتيجياً للجهد العسكري, وفوق ذلك كشريك في المعركة حيث قدمت ليبيا قبل الحرب مباشرة وفي عام 1973 فقط مليار دولار ثمن اسلحة ضمنها القوارب المطاطية التي عبرت بها الموجة الاولى من القوات المصرية قناة السويس الى سيناء. وروى هيكل انه انتهز فرصة متعللا للقذافي بعمل عاجل يتطلب حضوره في صالة (الاهرام) , وخرج ليهاتف السادات الذي تمسك بموقفه لان (معمر سوف يحكي لطوب الأرض عما يرى في غرفة العمليات...) بنص كلمات السادات كما رواها هيكل. أما عن اجواء اللقاء الاخير بينهما في قصر القبة والذي جاء بعد ربع قرن فيقول هيكل ان القذافي بادره بعد ترحيب وعناق وعتاب (كيف يارجل خمس وعشرون سنة دعوناك خلالها عشرات المرات وانتظرناك وانت لا تجيء... قل لي ما عذرك... ماهو تفسيرك... ماهو ردك؟) ويروي هيكل للقذافي وهما يتناولان اقداح الشاي التي قدمها له شاب يوغسلافي قال القذافي له انه (بوسني) مبررات عدم ذهابه الى ليبيا خلال حكم الرئيس السادات, وكلها تنطوي تحت دواعي حرص هيكل بتجنيب نفسه دخول دائرة صراع بين رئيس دولته ورئيس دولة ثانية حسب شرحه للقذافي. وعندما سأله القذافي.. طيب عذرك أيام السادات فهمته.. فلماذا لم تزرنا بعد السادات.. الرئيس حسني مبارك لم يمنعك.. صارحه هيكل بقوله.. ان ليبيا أصبحت بعد عام 1981 عندما خرجت من السجن مقصدا لطلاب حاجات مشروعة وغير مشروعة وأصبح التواجد في ليبيا مجلبة للظنون صحيحة أو باطلة. وسأل القذافي هيكل هل صحيح أن السادات بطل قومي في مصر الآن.. مستطردا بأن الرئيس مبارك طلب منه ألا ينتقد السادات.. حتى لا يؤدي الى نفور المصريين منه. ويروي هيكل بأسلوبه السلس المضمخ بالوقائع والمشحون بالتحليل.. أنه قال للقذافي.. اتفق مع الرئيس مبارك في نصيحته لك بألا تنتقد السادات أما أن يكون السادات بطلا قوميا فهذه قضية خلافية والأفضل تركها للتاريخ. ويضيف هيكل ذكرت القذافي بما قلته له أيام السادات.. (أنا متأكد من حبك لمصر ولكني لست متأكدا من فهمك لها) . أما عن انطباعاته عن القذافي وما تركته السنين من تغيرات فيقول هيكل وجدت خطوطا عميقة على صفحة وجهه تركتها السنون تعكس توترات الأيام وشدائد التجربة.. كانت لهجة حديثة في السابق ناطقة بنوع من الغربة لكنه بدا لي الآن أن الغربة فيها نبرة من التوجس ربما ان الأيام علمته أن مكامن الخطر ليست دائما حيث يتوقعها. ويرصد هيكل على مستوى الشكل أن ملابس القذافي اختلفت لتصبح أكثر رقة وانسجاما.. الحذاء موكاسان ايطالي خفيف وأنيق, البنطلون والقميص فوقه قطن مصنوع في انجلترا غالبا, البلوفر فرنسي بلونه الأحمر وكذلك علامة صنعه الشهيرة والشال حول العنق يشير الى ايطاليا, لكن العباءة الشفافة في الغالب عربية. وكشف هيكل ان القذافي صارحه بأنه يثق في كوفي عنان ونيلسون مانديلا والأمير عبدالله ولي العهد السعودي, لأنه حسب القذافي اعطاها كلمة وأنا أثق به. وعندما سأله القذافي هل تعرف كوفي عنان رد هيكل بأن نفس السؤال طرح عليه خلال عشاء لعنان عندما قال عمرو موسى الذي امتدح هيكل ذكاءه المتوهج لعنان.. هيكل عرف القذافي من اللحظة الأولى. ويختتم هيكل حديث اسراره بتفاصيل لقائه مع الامير عبدالله ولي العهد السعودي خلال زيارته لبريطانيا في اكتوبر الماضي, وكيف حادث الامير عبدالله مع توني بلير بهدف رفع الحصار عن ليبيا, وانه اي الامير عبدالله قال لبلير (ان الزعماء الافارقة بتحديهم الحظر الجوي يجعلون هيبة مجلس الامن تتعثر كل يوم وان الوضع غير قابل للاستمرار ولابد ان يستعمل بلير نفوده لحل أزمة لوكيربي.