يخشى من رد فعل انتحاري روسي.. هيكل: ما يحدث في البلقان يمس منطقتنا

اعتبر الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل ان ما يحدث في منطقة البلقان امر يمس منطقتنا تماما, وقال في حديث اجرته معه امس صحيفة الاسبوع المستقلة: هذه التنظيمات والترتيبات تمس المنطقة وتمسنا نحن , فهذه التطورات التي تجري في البلقان تقترب من تركيا والاكراد, وتقترب ايضا مما يجري في الجمهوريات الاسلامية في جنوب روسيا, وتقترب من الازمة الافغانية وباكستان والخليج العربي. ودعا هيكل إلى تدقيق النظر جيدا فيما يجري, وقال: لقد استطاع حلف الاطلسي ضم بولندا والمجر إلى عضويته, بمعنى انه اختار ما يريده, وفي الجنوب توجد منطقة قلقة جدا, فاليونان في نزاع مع تركيا, ويوغسلافيا تفككت, والمانيا اخذت ما يخصها, وهي كانت مهتمة في البلقان بسلوفينيا, لانها داخل حوض الحضارة الالماني, وإلى حد ما كرواتيا والباقي لم يكن يهمها كثيرا, وتركته للتفاعلات. في هذا الجو ظهرت صربيا, وحلم الصرب القديم, وهناك خوف من ان يتصل بروسيا, اي العنصر السلافي, وهكذا قادت الامور إلى مواجهات. وعن اعتقاده بان هذه المواجهات كانت مفاجئة, قال هيكل: اعتقد ان الامريكان اكثر من فوجئوا بها بمعنى انهم ارادوا اولا ان ترتب اوروبا للمنطقة ولكن اوروبا لم توافق ثم ارادوا الترتيب بدون جراحة, وأساءوا التقدير, حيث تصوروا ان التلويح بالقوة يكفي وهذا لم يأت بنتيجة لان هناك في الاذهان شىئا اسمه حلم صربيا, وهناك قضية صرب وقضية احتكاكات كبيرة. واضاف هيكل: ما يعنينى في هذه المعركة هو تداعياتها الممتدة الى آسيا الوسطى واليونان وتركيا في حوض البحر الابيض المتوسط وهي المنطقة التي تهمني والخطر الذي اراه محدقا هو ان امريكا اخذت القانون في يدها, وان حلف الاطلسي نحى مجلس الامن, وشل فاعليته وهمش دوره, لكن هذه العملية كانت بادية تماما منذ زمن, قالوا صح ان امريكا لا تريد الالتزام بأي تنظيم دولي, ولكنها تريد انفرادا بالقوة تقرر هي مداه وحدوده ومطالبه وعلي في المقابل ان اسأل هنا اذا كان هذا يناسبني ام لا؟ وقال هيكل: هناك نوعان من المشاكل, احدهما تهتم به, لانك طرف في المجتمع الدولي ولديك موقفك ومبادئك, ولكن هناك جانبا آخر من المشاكل يمكن ان يصل الى الحدود التي تمس سلامتك, فأي بلد في العالم لديه امنه الداخلي, وامنه القومي, وافق سلامته, وانا اعتقد ان هذا يقترب جدا من افق سلامتنا الوطنية. واضاف:ان امريكا جاءت في اوضاع مختلفة, واخذت القانون في يدها, وانا استغرب جدا تأييد الدول العربية للتصرف الامريكي وانا ارى (سماجة) ما يحدث في كوسوفو, وقد رأينا جزءا من ذلك في البوسنة, لكن البوسنة لم تكن صعبة الى هذه الدرجة, لاننا كنا نتحدث عن مسلمين اصلهم سلاف, والصرب سلاف ايضا, والخلاف كان خلافا في الدين, اما كوسوفو فهي مخزن لتناقضات اكبر من ذلك وبالتالي الجراحة كبيرة وخطيرة جدا فيها تهجير وتطهير عرقي. وعن توقعاته لسيناريو الاحداث في ضوء ما يجري, قال هيكل: ميلوسيفيتش يحاول ان يفعل ما فعلته كل دول اوروبا تقريبا للاسف الشديد وهو خلق مجتمع متسق وجعل الدولة متطابقة الى حد كبير مع التركيب العرقي, اي ان حدود الدولة السياسية يجب ان تكون متطابقة مع التركيب الاجتماعي للسكان, وهذا ما فعلته اوروبا في القرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر, ويريد ميلوسيفيتش ان يفعله في القرن العشرين وينسى ان العالم اختلف كثيرا عن ذي قبل. وأضاف هيكل: حذر الخبراء العسكريون الرئيس كلينتون, وقالوا له لو ضربنا يوغسلافيا ضربات جوية فسوف تدفع ميلوسيفيتش إلى تهجير أكبر عدد من الألبان في كوسوفو, وظن كلينتون ان مجرد ظهور حلف الأطلسي جبهة واحدة سوف يرغمه على الخضوع, وانه عندما يبدأ الضرب الجوي سوف يخاف, وظن أيضا ان هناك فارقا بين الشعب العراقي وشعب أوروبي كشعب يوغسلافيا. وكان يرى ان الشعب الأوروبي سوف يثور على قيادته وتناسى ان اي خطر خارجي يوحد أي شعب رغما عنه, وقد تصور أيضا مثلما حدث في العراق, ان قائد الجيش السابق سوف يقوم بانقلاب, وحتى لمجرد الوهم بذلك فإن ميلوسيفيتش قبل أن يبدأ عزل قائد جيشه.. ان عيب القوة الأمريكية انها تحكم بمقتضيات الضرورة وتصدر أحكامها في ضوء التجربة الأمريكية, فهم ذهبوا إلى الأرض ولهم منطق واحد, ان كل ما هو مفيد وصالح لك عليك أن تفعله. وعن وضع روسيا في الصراع.. قال هيكل: روسيا في اعتقادي غير قادرة, لكن روسيا غير القادرة يمكن أن تكون شيئا بالغ الخطورة.. نحن هنا أمام دولة كانت امبراطورية وقوة عظمى ثم تقلصت إلى دولة, وهذه الدولة أخطر ما فيها ان ذكريات قوتها موجودة في ذاكرتها, وأصعب من ذلك, ان بقايا قوتها متمثلة في شيء واحد هو المخزون النووي, وأنا أعلم ان يلتسين وبريماكوف قادران على استيعاب حقائق أكثر من ذلك, لكنني أخشى من ضغوط قد تدفع بعض الناس إلى الانتحار, وليس ضروريا ان من ينتحر يكون يلتسين أو بريماكون, فأنت تهين دولة لا يزال في ذاكرتها المجد, ولا يزال لديها بقايا أقوى ترسانة نووية, وتدرك ان وسيلتها الوحيدة حتى تصبح لها كلمة مسموعة في المجتمع الدولي هو هذه الترسانة. أما عن الصين, فقال هيكل: الصين قد تسكت, لكن كل ما أخشاه هو موقف روسيا وحجم الاحباط الضخم فيها, فهي بلد يتآكل وفيها بقايا يائسة وتكنولوجية نووية قادرة على تدمير العالم. وقال هيكل: ان كل هذه المنطقة من جنوب وشرق أوروبا وشمال الشرق الأوسط وكل ما يصل من أول أفغانستان إلى نهاية البسفور, ومن أول مناطق الأكراد إلى أسفل ومن حدود فلسطين وحتى شمال يوغسلافيا, كل هذه منطقة خطرة جدا, والأمريكان يسعون إلى التعامل معها وفقا لسياسة الاحتواء المزدوج, وأظن ان ايران منتبهة تماما إلى انه بمجرد الانتهاء من العراق سوف يأتي الدور عليها. القاهرة ــ مكتب البيان

طباعة Email