كيسنجر يعود بالذاكرة إلى(سنوات التجدد) نيكسون اكثر رؤساء امريكا تعقيدا وغموضا في القرن العشرين

عاد هنري كيسنجر وزير الخارجية الامريكي الاسبق 'إلى دائرة الضوء من جديد مع قرب اطلاق كتابه الذي يحمل عنوان(سنوات التجدد) والذي يلقي فيه الضوء على اسرار السنوات الخمس والنصف التي قضاها في منصبي وزير الخارجية ومستشار الرئيس لشؤون الامن القومي . ورسم كيسنجر في كتابه بصفة خاصة صورة من قريب للرئيس الامريكي الاسبق ريتشارد نيكسون الذي يقول عنه ان الكتابة عنه امر بالغ الصعوبة لانه اكثر رؤساء امريكا في القرن العشرين تعقيدا وغموضا. وقال ان من الاسئلة التي سيتعين على اجيال المستقبل ان تواجهها تساؤل عن السر في ان نيكسون يثير كل هذا القدر من العواطف والانفعالات والكراهية في صفوف خصومه على نحو لا نجده إلا في المآسي الاغريقية. واضاف ان الامر يقتضي شاعرا في عظمة شكسبير لانصاف هذه الشخصية المثيرة للجنون والمستنزفة حولها والقادرة على اسستشراف آفاق المجهول على نحو لا مثيل له والذي يجمع بين متناقضات لا سبيل إلى تصورها. وكشف كيسنجر النقاب عن ان نيكسون كان يضيق ذرعا باهتمام اجهزة الاعلام بكيسنجر, وبصفة خاصة منذ الزيارة الرسمية التي قام بها للصين في 1971 وخاصة ان بعض مستشاري نيكسون المقربين ذهبوا إلى القول بان كيسنجر يتعمد تجاوز الرئيس في استقطاب اضواء اجهزة الاعلام. وشدد على ان التعمد هنا امر بعيد عن الدقة لكنه لم يكن يقاوم جهود اجهزة الاعلام في الاقتراب منه والقاء الضوء على منجزاته. وقال كيسنجر ان من ألغاز فترة رئاسة نيكسون ان الاشرطة التي استخدمت كأدلة في فضيحة ووترجيت تظهره بمظهر الرئيس الذي لا يكترث بشيء ولا يتوقف طويلا امام اي متغير سياسي بينما الحقيقة ان نيكسون كان يصل إلى قراراته الكبرى في مجال السياسة الخارجية بعد تدقيق يبعث على الجنون في كل التفاصيل. وكان نيكسون يدرس الخيارات التي يطرحها كيسنجر حول القرارات السياسية في احد مكاتب المبنى التنفيذي الاتحادي بواشنطن بعد اسدال الستائر ويعكف على الاوراق الصفراء عادة بمزيد من التركيز إلى ان يصل إلى قرار محدد وعندئذ يتصل بأحد مساعديه وعادة ما يكون بوب هالدمان أو جون ميتشل لإبلاغه بالامر ثم يبادر إلى قفزات كبيرة في حركة السياسة وفي وقت لاحق بأخذ فترة استجمام في منتجع كامب ديفيد تدوم عدة ايام ليتخلص من تأثير اتخاذ القرار. وشدد كيسنجر في كتابه (سنوات التجدد) على أنه لم يحدث ان شك احد ممن تعاملوا بانتظام مع نيكسون في انه رجل قدير لديه ملكة فرض ارادته على الظروف المحيطة به, لكنه لم يكن بوسعه مواجهة الخلافات المباشرة, وكان يمضي إلى أشواط لا يتخيلها احد لتحقيق اهدافه بطرق مباشرة, وكان يطمح إلى العظمة بمعناها المطلق, وقد اقترب منها كثيرا على الاقل في ادارته للسياسة الخارجية للولايات المتحدة, لكنه قضى على رئاسته بالتصرف من خلال خطوات غير ضرورية بقدر ما هي بعيدة عن ان تكون لائقة به. غير ان اهم مزايا نيكسون تمثلت في قدرته على اتخاذ القرارات الجريئة, وهي ميزة برزت بشكل خاص في ضوء انه لم يكن بطبيعته شخصية جريئة ولا تسعد باجواء القتال والصدام, بل الامر على العكس فقد اتخذ ابرز قراراته في اجواء كئيبة تقترب من حافة اليأس وكأنه يتصرف وفق قدر مشؤوم يملي عليه خوض العذاب في مواجهة تأمل مؤرق امام اكوام لا تنتهي من الاوراق التي تحمل مشروعات قرارات متناقضة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات