أتعاب المحامي في مصر أصبحت أشبه بالبورصة في سوق المال, مع فارق ان الصعود دائم وان الهبوط مستمر ومنتظم, وبين الحين والآخر يصعد نجم أحد المحامين المغمورين, فتطول قوائم الانتظار أمام مكتبه, وترتفع (الفيزيتة) وهي الأتعاب بلغة السوق . ولكن السنوات الماضية شهدت ارتفاعا جنونيا عاما في أتعاب بعض المحامين إلى حد ان كثيرين من أصحاب القضايا متهمين أو مدعين باتوا يفكرون ألف مرة قبل الدخول إلى مكتب محامي, ومع ذلك يبحث البعض ــ الأغنياء بالطبع ــ عن الأسماء اللامعة في عالم المحاماة, حتى لو تكلفوا أرقاما فلكية, في الوقت الذي يبحث آخرون وهم الأغلبية الغلبانة عن محام على (قد الحال) . التناقض كبير وواضح في وقت يتقاضى محام مليون جنيه عن قضية واحدة ويعتبر بعض المحامين ان الرقم سالف الذكر أصبح عاديا في عالم المحاماة بسبب ضخامة المنازعات وارتفاع قيمة العقارات, يتقاضى الآخرون مالا يكاد يسد الرمق. ويقول أحدهم لـ (البيان) : ان مهنة المحاماة أصلا لا تعيش إلا في مجتمع رأسمالي وان نظرية الروب (زي المحاماة الرسمي) الخالي من الجيوب أصبحت نظرية قديمة. ومقابل الملايين التي يتقاضاها مشاهير المحامين, هناك آلاف المحامين كل أملهم ان ترتفع أتعابهم إلى مائة جنيه, وبعضهم يقبل بالعشرين جنيها! وآخرون يقفون أمام النيابات والمحاكم علهم يظفرون بقضية أو بحضور تحقيق أو انتظارا لهمس (السمسار) الذي قد يكون عامل البوفيه في المحكمة, أو كاتب الجلسة الذي يصطاد له الزبون مقابل اقتسام الأتعاب. ولم يفلح قانون تنظيم الأتعاب ضبط ايقاع سوق المحاماة ومنع المغالاة فيها في الوقت الذي بلغت الدعاوى القضائية بين المحامين وموكليهم عشرة آلاف دعوى قضائية بسبب الخلافات حول قيمة الاتعاب. ومن أشهر المحامين الذين عرفوا بتقاضيهم مبالغ خيالية لمهاراتهم النقيب الراحل للمحامين أحمد الخواجة, ومرتضى منصور عضو مجلس ادارة نادي الزمالك الرياضي المعروف, ومنتصر الزيات الذي يتولى الدفاع عن المتهمين بقضايا الارهاب. والأول سياسي معروف إلى جانب انه محام في الأصل, أما الثاني فانه يتولى غالبا قضايا الفنانات مثل قضية الممثلة يسرا التي اتهمت ضابط شرطة بمحاولة اقتحام شقتها. منذ اسبوعين حرر أحد المحامين (الكبار) عقدا لشركة استثمارية عقارية وتقاضى نظير تحرير عقد التأسيس مليوني جنيه كأتعاب نصفها نقداً وأصبح مساهما في الشركة بالنصف الآخر ـ أي بالمليون الآخر ــ ولم يكتف بذلك بل اشترط ـ كجزء من الأتعاب ــ تعيينه مستشارا قانونيا للشركة! وفي بداية هذا العام قدم وزير سابق إقراره الضريبي كمحام حدد فيه أرباحه السنوية من عمله بالمحاماة بنحو مليون ونصف المليون جنيه, بخلاف العمليات التي تمت في الخارج. وفي القضية التي عرفت باسم قضية المخدرات الكبرى عرف في اوساط المحامين ان اتعاب فريق الدفاع وصلت الى مليوني جنيه (ثارت خلافات حول تقسيمها ووصلت الى حد اعتداء احد المحامين على زميله بإطلاق النار عليه) ! اما قضية (أمير الهيروين الشهيرة) فقد بلغت اتعاب الدفاع فيها نصف مليون جنيه, وفي قضية تجارة العملة بلغت اتعاب الدفاع مليون جنيه. والأمر نفسه تكرر في قضية الجمارك الكبرى الشهيرة قبيل الانفتاح الاقتصادي في مصر بقليل حيث تمت تسوية قضية احد المستوردين الكبار وانتقل بعدها كل المشاركين في الدفاع ـ الى عالم الشهرة والنجومية, في مسرح رجال الأعمال والمحاماة والكرة بل والمعارضة السياسية ايضا. وفي الوقت الذي تتضخم فيه اتعاب عدد من المحامين بهذا الشكل يقف آلاف المحامين الصغار في طوابير انتظار قضية أو حتى مشورة قانونية ويضطر بعضهم لقبول مبالغ تتراوح من خمسة جنيهات وحتى عشرين جنيها في أية قضية. بل ان بعض المحامين يضطرون لقبول عمل آخر غير المحاماة مثل العمل في محطات الوقود, او موظفين في شركات الامن الخاصة او سائقي تاكسي أو في اعمال البناء رغم انهم مقيدون في جدول النقابة بعد ان طال بهم الانتظار على ابواب المحاكم املا في (اصطياد زبون) يبحث عن محام أو من يسأل عن بديل لمحاميه الغائب أو من يطلب تحرير عقد أو تسجيله. ولا تختلف الصورة كثيرا في اسعار الاستشارات القانونية, فالتفاوت موجود ايضا وبينما يقبل بعض المحامين اتعاب الاستشارات مابين 50 وحتى 200 جنيه, تصل بعض أسعار الاستشارات القانونية الى خمسة آلاف جنيه, اما المحامون الصغار في الريف والذين لايملكون مكاتب فإن ثمن الاستشارة القانونية لديهم ينخفض الى خمسة جنيهات أو حتى لا مقابل اللهم الاخوة والمحبة الانسانية. القاهرة ـ محمد الشرقاوي