لا إبداع بدون ألم.. هكذا تؤكد التجارب المريرة التي يخوضها المبدعون مع كتاباتهم الابداعية.. فالأدباء والشعراء هم أكثر البشر تعرضاً للأزمات والأمراض.. فمنهم من تقف معاناته عند حدود القلق والتوتر وهو ألم فادح ينعكس على حياتهم, غير أن آخرين قد يزيدون على ذلك بمعاناة جسدية وأمراض عضوية فتكون معاناتهم أشد وأثقل وطأة . ويأتي على رأس هذه الأمراض مرض القلب, وكأن قلوبهم المرهفة قد أرهقها الإبداع. فالشاعر الكبير عبدالرحمن الابنودي ليس أول قائمة المبدعين الذين اشتكوا من قلوبهم ووقعوا فريسة المرض والألم الجسدي بل سبقه جمال الغيطاني وابراهيم أصلان وعبدالتواب يوسف وأحمد الشهاوي وسناء البيسي وعمار الشريعي الذي يعالج حالياً من ألم في القلب. وقبل هؤلاء كان أمل دنقل وابراهيم فهمي وعبدالحكيم قاسم وغيرهم من عشرات المبدعين سواء الراحلين أو الموجودين الآن وأغلبهم يعيش في حالة رعب من آلامهم. (البيان) قامت برحلة في قلوب الادباء التي أرقها الابداع ومشوار الأدب. أول الرحلة تبدأ باستعراض خريطة الصحة العامة للأدباء.. حيث من اللافت للأنظار أن جيل ما قبل الستينات: توفيق الحكيم, يحيى حقي, نجيب محفوظ وغيرهم تخطوا الثمانين عاماً وتمتعوا بصحة جيدة.. أما جيل الستينات وما بعده: يحيى الطاهر عبدالله, أمل دنقل, عبدالحكيم قاسم, جمال الغيطاني, ابراهيم أصلان, إبراهيم فهمي مات بعضهم نتيجة أمراض جسدية وعضوية بينما يعاني الاخرون كثيراً من تلك الأمراض ورغم أن لكل أديب ظروفه الخاصة إلا أن هذه ظاهرة ملحوظة تطرح التساؤلات حول صحة الأدباء بشكل عام. الشاعر الراحل أمل دنقل أبدع ديوانه (أوراق الغرفة رقم 8) وهو داخل المستشفى في (الحجرة رقم 8) وقد سيطرت على الديوان الألوان البيضاء, لون الأسرة والقطن والشاش والأربطة وحتى لون الحوائط.. أما صاحب (البكاء بين يدي زرقاء اليمامة) وقصيدته الشهيرة (لا تصالح) , كان يعاني طوال حياته من هاجس الموت, عاش حياته فقيراً صعلوكاً يرفض أي وظيفة حتى أصيب بمرض السرطان.. ورغم ذلك كان مشاكساً في الحياة ويتمتع بروح الإباء والشموخ وجاءت قصيدته (لا تصالح) معبرة عن موقفه وموقف جيل بكى بين يدي زرقاء اليمامة عندما تم التنازل عن المكاسب الوطنية والأحلام التي عاشوا وتربوا عليها ولم يستطيعوا الموازنة بين طموحاتهم وقدراتهم وما يفرضه الواقع فعاشوا في ضغوط عصبية ونفسية فكان عليهم إما الانسحاب بمرارة من الواقع أو الموت كمداً.. وأصبح المبدع يكتب على حساب بدنه فأصابه كثير من الأمراض والشروخ. أيضاً لم يتحمل عبدالحكيم قاسم تلك الشروخ والانهيارات فأصيب برعشة في المخ ثم الشلل والموت. كان عبدالحكيم قاسم مشبعاً بالأفكار والطموحات الكبيرة وكان لديه إحساس قوي أن المبدعين لم يجدوا بعد الصيغة المثلى للتخاطب والتواصل مع الجماهير وهذا ما جعله يقذف بنفسه في اتون المعركة الانتخابية في انتخابات مجلس الشعب معتقداً أن هذه الخطوة هي التي توصله للجماهير ولكن الانتخابات لها محترفوها والأديب بحكم وضعيته أبعد ما يكون عن هذه التجربة.. وكان سقوطه فاجعة فسيطر عليه الإحباط الشديد وأحس بانتكاسة كبرى ففقد توازنه تماماً وأصيب بجلطة في المخ ثم الشلل والموت.. فالحياة لم تعد مبهجة وتزيد من الدوار والخبل والجنون.. وهكذا مات نجيب سرور ومحمود دياب. ويموت إبراهيم فهمي ذلك الأديب النوبي بالسل وهو في ريعان شبابه حيث كان يعاني من ذلك المرض الفتاك ولم يستطع علاجه لشدة فقره وحياته التي كانت تسير بالكاد ولكنه كان يحلم بتحقيق ذاته ومكانته وطموحه الكبير فمات وحيداً في غرفة رثة وسط زحام القاهرة بعيداً عن قريته النوبية. وتتوالى مسيرة المبدعين مع المرض.. فالكاتبة سناء البيسي تعاني من آلام المعدة باستمرار مما يسبب لها قلقاً وتوتراً.. والأديب جمال الغيطاني أجرى عملية تغيير عدة شرايين وصمامات في القلب.. والشاعر أحمد الشهاوي يعالج باستمرار من صمامات القلب.. وابراهيم أصلان أجرى عملية تغيير شرايين في القلب.. وكذلك ذهب عبدالرحمن الابنودي للعلاج في لندن من آلام في القلب.. والملحن الكبير عمار الشريعي أيضاً. في تعليق للأديب الكبير جمال الغيطاني يقول انه مستاء من الحالة الصحية للمبدعين, لأن الكتابة وانفعالاتها تؤثر بالطبع على قلوبهم, كما أن الكاتب يعيش دائماً في حالة التهاب عصبي ناتج عن التفكير المستمر في كل شىء له علاقة بقضايا وطنه, لذلك من الممكن ألا يعرف أنه مصاب بهذا المرض إلا بعد فوات الأوان.. فمثل هذا المرض يبدأ بمرض نفسي يؤدي الى أمراض عضوية ومعظم جيلنا مصاب سواء بأمراض قلبية أو بأمراض أخرى قاتلة. ويؤكد الأديب يوسف أبو رية أن الأمر الذي لاشك فيه أن لحظات الإبداع وما يصاحبها من انفعال بالحدث أو معايشة التجربة أو استرجاع التجارب السابقة يستدعي إرهاقاً عصبياً ينعكس على قلب المبدع. ورغم أن لكل أديب ظروفه ولكل جيل سماته العامة إلا أن عددا كبيراً من جيل الستينات وما بعده يواجهون مشاكل عضوية كثيرة وكانوا في تعاملهم مع الأمراض عكس الأجيال السابقة, الذين امتازوا بالارادة في التغلب على أمراضهم فنجيب محفوظ استطاع أن يقهر مرض السكر حتى الآن, وبيكاسو عاش 90 عاماً ودالي 90 عاماً ولكن هذه الإرادة الصلبة قليلاً ما نجدها في الأجيال التالية. وعن تجربته مع المرض, يقول الشاعر الكبير محمد التهامي: عشت فترة من حياتي لا أهتم بصحتي كما أنني لم أشعر بأي تأثير على عضلة القلب وطاقتي بشكل عام.. لكنني فوجئت بالطبيب ينبهني الى تأثر قلبي بكثرة الانفعالات مما سوف يؤدي الى غلق الشرايين وخاصة الشريان التاجي.. لذلك أمرني بالابتعاد عن الانفعال, ولكنني تعجبت كيف أبتعد عن الانفعال والابداع الصادق هو نتيجة هذا الانفعال! من ناحيته يرى الاديب عبدالتواب يوسف أن ما يحدث الآن عكس ما كان في الماضي لأن راحة البال كانت موجودة والحياة لم تكن مليئة بهذه الضغوط وكان الأدب واضحاً وله قضية محددة أما الآن فنحن نبحث عن قضية ننتمي إليها فتكون النتيجة هذا الانقسام الموجود بين المثقفين الذي يؤدي الى صراعات لا تجدي شيئاً ويكون ضحيتها الوحيدة هم المثقفون والحب الذي يملأ قلوبهم تجاه بعضهم. ولذلك أنصح الشباب بالمحافظة على صحته وألا يجهد نفسه في معارك لا طائل من ورائها.. بينما يعلق الشاعر محمد ابراهيم أبوسنه قائلاً: ان انفعال الشاعر والأديب بما يكتبه هو في الحقيقة لصالح عضلة القلب, لأن الانفعال يحرك آليات الإبداع الداخلي عند الشاعر فتمتص هذه الآليات الانفعالات التي قد تهدد قلبه وتحولها الى عمل إبداعي, فالابداع حالة بين المتعة والعذاب لعمل سوف يحمل بصماته ولذلك فهو يعيش من أجله قلقاً, فعملية الابداع المتعة فيها أعظم من الارهاق الذي يأتي عندما يكون العمل غير مكتمل ودون المستوى, فالابداع شفاء وتطهير وليس مرضاً فهو انتظار للجمال والابداع الحق. ورغم ذلك فحياة الأديب تمتلىء بشخوص ومعارك وصراعات تكمن في خياله وتنعكس بالطبع على حياته.. وبالتالي تصبح حياة الكاتب الحقيقية مليئة بالانفعالات مما يؤثر على صحته.. بالإضافة لكونه في حالة انتظار دائم للحظات الابداع. وفي النهاية قد تفنى صحة المبدع ليترك وراءه عملاً باقي الأثر من بعده. القاهرة ـ محمد الصادق: