قبيل عملية الاعتقال المثيرة للزعيم الكردي الانفصالي عبد الله أوجلان, كان الجيش العامل المهيمن على الحياة السياسية الداخلية التركية يزعم أن متمردي حزب العمال الكردستاني الانفصالي قد تم تحييدهم عسكريا . ولكن مع ذلك فقد دأب الجنرالات - سواء في تقاريرهم الدورية لرجال السياسة أو مسؤولي القانون أو الاكاديميين أو الصحفيين - على لفت الانتباه إلى حقيقة مفادها أن إلحاق هزيمة كاملة بحزب العمال الكردستاني الانفصالي أمر (مستحيل) بدون نهضة اقتصادية للمناطق ذات الاغلبية الكردية في جنوب وجنوب شرق الاناضول. وقال بعض كبار العسكريين للصحفيين أثناء زيارة نظمت لهم مؤخرا للمنطقة الكردية (لقد هزمنا حزب العمال الكردستاني المحظور وعلى الحكومة الان أن تضطلع بالجانب الذي يخصها من المسؤولية) . وما من شك في أن بولنت أجاويد, رئيس الوزراء التركي الذي كان قد أعلن نبأ اعتقال أوجلان بصوت متهدج, يدرك عمق المشكلات التي يواجهها. وأشار أجاويد إلى ذلك بقوله (إنها الان مهمة الدولة في اتخاذ إجراءات اقتصادية واجتماعية للقضاء على التخلف الذي تعانيه المناطق الكردية في قطاعي التعليم والبنية الاساسية وفي العمل على تعزيز التنمية الاقتصادية في تلك المناطق) . وما زالت النشوة بالانتصار تسيطر على مشاعر أجاويد والجيش والشعب التركي وستستمر كذلك لبعض الوقت. ففي الوقت الذي يعلن فيه الوطنيون الاتراك أن (دم الشهداء لن يضيع هدرا) فإنه لن يتبقى للرأي العام إلا حيز ضئيل للتفكير في القضايا الشائكة التي يتعين معالجتها من أجل تحسين وضع الاكراد. كما أن الشعور بالقوة سيجعل من السهل على أجاويد والجيش التحرك فورا للقضاء على أي دعم شعبي (للمتمردين) الاكراد في مهده. فقد لقي نحو ثلاثين ألف شخص مصرعهم منذ بداية اندلاع كفاح حزب العمال الكردستاني لاقامة دولة مستقلة في تركيا قبل 15 عاما. وإلى جانب التكلفة البشرية تخصص تركيا حوالي 15 في المائة من ميزانيتها السنوية للمجهود الحربي ضد حزب العمال الكردستاني, وتشير التقديرات إلى أن الصراع قد كلفها حتى الان أكثر من خمسين مليار دولار. وذكرت صحيفة ميليت التركية ذات التوجهات المستقلة أن (منطقة جنوب شرق تركيا تعد مقبرة لخطط التنمية الاقتصادية التي لم تثمر ستة منها عن نتائج ملموسة خلال السنوات الثماني الماضية) . وقالت الصحيفة إنه من بين 13 منطقة صناعية كان من المقرر إقامتها لم ير النور حتى الان سوى ثلاث فقط وأشارت إلى تراجع حجم الثروة الحيوانية في المنطقة إلى نحو الثلثين فقط وانخفاض الدخل السنوي إلى حوالي 520 دولاراً للفرد الواحد في المناطق الكردية - أي ما يعادل ثلث دخل المواطن التركي الذي يبلغ في المتوسط حوالي ثلاثة آلاف دولار سنويا. كما أن الحرب ستترك أيضا تركة من العداء الكردي-الكردي, حيث يلتزم الجميع الصمت إزاء ما سيحدث لاكثر من 70 ألف من الاكراد الموالين للدولة والذين تقوم الحكومة بتسليحهم واستخدامهم (حراسا للقرى) مقابل أجر للعمل إلى جانب قوات الامن التركية في حربها ضد قوات حزب العمال الكردستاني. وحتى البرامج التي أعدت لاعادة تأهيل ودمج الاكراد الموالين للدولة في الحياة الطبيعية, بمنحهم قروض تنمية مثلا, فلا تزال حبرا على ورق. وإلى جانب ما يعانيه الاكراد من فقر, فإن الهاجس الرئيسي لديهم هو محاولة حصولهم على هوية تبين عرقيتهم المستقلة. فالحكومة في أنقرة عازفة عن تشجيع أي خطوة من هذا القبيل, والمسؤولون يتحدثون بحذر شديد عن إمكانية تحقيق حلم الاكراد بالحصول على هوية رغم أنه من القضايا المثيرة للجدل. ولو حدث وأشار السياسيون الاتراك إلى الاكراد, فإنهم يتحدثون عنهم من علياء باعتبارهم (مواطنين من الدرجة الثانية) . ورغم أن حكومات اليوم في تركيا تشير أحيانا إلى ما تصفه (بالحقيقة الكردية) , فإن تركيا ليس لديها في الوقت الراهن سياسة تخول بموجبها أقليتها من الاكراد أي نوع من السلطة على مقدراتها.ــ (د.ب.أ)