تحوّلت غرف الاطفال في شتى انحاء العالم بفعل الثورة الالكترونية إلى اروقة للالعاب, ويبدو أنه لم يعد هناك شيء في هذه الايام يثير اهتمام الاطفال ما لم يقدم عناصر اثارة سمعية وبصرية وتفاعلية . وتحظى الدمى بالقبول هذه الايام فقط اذا انفجرت بالضحك لدى ملامستها, وبات يتعين على سيارات الالعاب ان تكون ذات تحكم عن بعد وحتى ان نموذج سكك الحديد التقليدية لم يعد يتم تشغيله بتدوير مقبض محول للحركة, فهذه الايام تتم برمجة وقت الجاهزية رقميا, وتقدر الشركات المتخصصة في صناعة الالعاب عدد اجهزة الكمبيوتر الصغيرة التي يملكها الاطفال في المانيا وحدها بحوالي 15 مليون جهاز. لقد دأب المدرسون وعلماء النفس منذ سنوات على التحذير من الاثار السلبية الواضحة لعالم وسائل الاعلام المتعددة (المليتميديا) على الاطفال, وكان هناك خوف عام من حدوث اضرار بدنية وعقلية وفقدان اساسي للتواصل الشخصي ومن العجز في الكلام والسلوك الذي قد ينجم عن هذه الوسائل, وذهب بعض هؤلاء إلى القول انهم اكتشفوا ازديادا في النزعة العدوانية لدى الاطفال الصغار. لكن حدثت مؤخرا ثورة في تفكير التربويين الذين بدأوا يقولون ان التقنية الرقمية لم يعد ينظر اليها كخطر يتربص بالاطفال وانما عامل ايجابي في تطور الطفل. ويحذر, مع ذلك, فاسيليوس فيناكيس, مدير معهد بافاريان للتعليم المبكر الذي يتخذ من ميونيخ مقرا له الكبار من التعامل مع اجهزة الكمبيوتر الخاصة باطفالهم, ويشير فيناكيس إلى نقطة هامة وهي ان العاب الاطفال اعتمدت دائما على التطورات التقنية السائدة في حينه, وهذا لا يعني ان الامر سيتغير في عصر التقنية الراقية الذي نعيشه أو انه يجب ان يقود إلى تضييع الاطفال للفرص التي تقدمها اجهزة الكمبيوتر. ويشير فيناكيس ايضا إلى وجود خلل ويعتقد بوجوب عدم تكراره, فعندما يتعلم الاطفال لغة اجنبية لأول مرة في المدرسة, فانهم يفتقدون العلاقات العاطفية عادة, وهذا يمكن ان يؤدي مستقبلا إلى ظهور مشكلات في التعلم. وفي الطريقة نفسها, اذا حرم الطفل من امكانية الوصول إلى الالعاب الرقمية, فان عملية التعلم على جهاز الكمبيوتر ستكون اكثر صعوبة في سن متأخرة, فالعاب الفيديو, على سبيل المثال, يمكنها ان تقدم للاطفال امكانية ايجاد حلولهم الخاصة التي لم تخطر على بال مطوري البرامج في اغلب الاحيان. لكن التعلم المبكر يجب الا يفضل فقط التقنية المعاصرة, فالتقليد والتجديد ينبغي ان يكمل احدهما الاخر, ويذكر فيناكيس الصين كمثال جيد على ذلك. وتزود الصفوف المدرسية العليا والدنيا الصينية بثلاث ادوات تعليمية هامة هي الكمبيوتر والبيانو والتلفزيون, وهي تستخدم كرمز لاندماج التناقضات المفترضة, وفي الوقت نفسه, يعمل هذا الرمز الذي تمثله الادوات الثلاث على توسيع مدارك الطفل وتشجيعه على استخدام خياله. ويقول فيناكيس ان الاطفال تحت سن السادسة يشتركون بسرور في العاب قوية وبالتأكيد لا يوجد خطأ في لعبة تعرض على الفيديو ما دام مضمون اللعبة معقولا ولا يحدث في الواقع. ويضيف فيناكيس قائلا ان الاطفال يستغلون الترفيه المعلوماتي المتاح لهم بمرح ولمصلحتهم الخاصة, والمثال الجيد على ذلك هذه الايام العاب المغامرة التي تضع جولات تتطلب من اللاعب بناء عالم ثلاثي الابعاد استنادا إلى مدينة رومانية أو بلدة من العصور الوسطى. ويتعين على اللاعبين بناء عوالمهم ضمن وقت زمني محدد آخذين بعين الاعتبار عوامل اجتماعية مثل الغذاء المناسب للسكان الافتراضيين, أو ايجاد وظائف لهم, وفي الواقع انه لا يوجد تعليم تقليدي يمكنه ايصال هذه المعرفة التاريخية للطفل بمثل هذه الطريقة السهلة. ويقول فيناكيس انه ينبغي على الاباء والمعلمين الا يسمحوا لكرههم للثورة الرقمية أو لانعدام المعرفة بالكمبيوتر لديهم بأن تقف في طريق تعلم ابنائهم, ويجب تقريب تعليم الطفل من الحياة العملية ما امكن ذلك. وقد يتيح هذا التفاوت فرصا لاقامة تفاعل جديد ومفيد بين الكبار والاطفال بحيث يقوم الطفل المتعلم على الكمبيوتر بتعليم ابويه الاقل مهارة والمتمسكين بالنمط القديم في التفكير, ويؤكد فيناكيس ان الاسلوب النقدي والمسؤول في التعامل مع التقنية الجديدة سيؤدي إلى تحديث العملية التعليمية, وهذه هي الطريقة الوحيدة لتربية الاطفال لكي يكونوا (اعضاء منفتحين في عالم جديد) . ــ خدمة ــ د. ب. ميونيخ ــ البيان