قد يكون من الصعب احيانا على من يعيش ويعمل في العاصمة الامريكية, واشنطن دي. سي ان يدرك بأن في باقي البلاد وقطعاً العالم قضايا تحتاج الى معالجة تفوق في اهميتها مسألة ما اذا كان كلينتون تجب ادانته وعزله من منصبه من قبل مجلس الشيوخ لاخفائه علاقة حميمة مع امرأة شابة . وتبدو الصحف والاذاعة والتلفزيون في واشنطن منهمكة جدا بعملية العزل لدرجة ان الواحد منا يسمع القليل جدا عن الصراع في كوسوفو وسياسة عقوبات الامم المتحدة التي لم تسو في العراق والقضايا المصيرية الاخرى. فلماذا تبدي عاصمة الولايات المتحدة اهتماما غير عادي بمحاكمة عزل الرئيس كلينتون؟ ان احد الاسباب يكمن في ان الحزب الجمهوري الذي فاز في خمسة من ستة انتخابات رئاسية سابقة, خسر مرتين امام كلينتون مما ابقى جيش محترفي السياسة الجمهوريين خارج الحكم طوال ثمانية اعوام. ويشعر الجمهوريون بالاحباط من النجاح السياسي للرئيس كلينتون, ومما يزيد من شعورهم هذا ان معظمهم لا يمنحونه اي احترام. وهناك سبب آخر وهو ان الحزب الديمقراطي الذي سيطر على مجلس النواب خلال الاربعين عاما الماضية, خسر الاغلبية التي كان يتمتع بها في العام 1994 وفشل في استعادتها في الانتخابات اللاحقة التي جرت مرتين. ويشعر الكثيرون من كبار اعضاء الكونجرس الديمقراطيين الذين اعتادوا على المكانة والسلطة الناجمة عن ترأس لجان تكتب القوانين وتنفق اموال الدولة, بالاحباط ايضا من النجاح السياسي للجمهوريين الذين يتمتعون الآن بهذه المزايا. الاحباط اذاً من جانب الحزبين السياسيين الرئيسيين على المستوى القومي يعتبر احد الاسباب التي جعلت هذا الخلاف كبيرا جدا. اما السبب الآخر فهو نمو وتطور وسائل الاعلام في الولايات المتحدة. فقبل ربع قرن مضى, عندما كانت تخضع افعال الرئيس نيكسون لدراسة من قبل لجنة خاصة والكونجرس كان متاحا للامريكيين مصادر ضئيلة جدا للمعلومات, فقد نقلت شبكات التلفزة التقليدية الثلاث وقائع المحاكمة بقضية ووترجيت وكانت صحيفة (الواشنطن بوست) فعليا لوحدها في الكشف عن الحقائق الكامنة وراء القصة. اما اليوم فعلى العكس من ذلك يتم بث جميع مداولات الكونجرس على الهواء مباشرة. وبات الامريكيون يستقون معلوماتهم من 100 مصدر مختلف عبر اجهزة الكمبيوتر والبرامج الاذاعية ومن مجموعة من محطات التلفزيون بالكوابل التي تقدم اخبارا على مدار الساعة. لقد انقضت تلك الايام التي عاش فيها الامريكيون تجربة تاريخية مشتركة عبر التلفزيون, كما حصل مع جنازة الرئيس جون كينيدي في العام 1963 وتغطية الـ (سي ان ان) لحرب الخليج في العام 1991. وقد كانت تلك الاحداث مثيرة وجديرة بالمشاهدة, وحيث ان وسائل الاعلام المعاصرة تعتمد جميعها على عوائد الاعلانات من اجل البقاء, بات من المحتم عليها ان تتنافس للحصول على المشاهدين والمستمعين والقراء. ولهذا السبب حظيت عودة مونيكا لوينسكي في الايام الاخيرة باهتمام يفوق مائة مرة ما حظيت به الاسئلة والاجوبة الطنانة التي تم تبادلها بين اعضاء مجلس الشيوخ الامريكيين ومحامي الرئيس كلينتون واعضاء الكونجرس الذين يتباحثون في امر عزله من منصبه. وفي امريكا, عكست استطلاعات الرأي دعما شعبيا قويا لفكرة السماح للرئيس كلينتون بالبقاء في منصبه بالرغم من الاتهامات الموجهة له بارتكابه اخطاء خطيرة وفي الوقت ذاته اظهرت هذه الاستطلاعات وبشكل واضح ان المواطنين الامريكيين لا يعتبرون رئيسهم اهلا للثقة التامة. ان هاتين الرسالتين المتناقضتين من الشعب الامريكي بأنه لا يثق بالرئيس الامريكي ومع ذلك يريد بقاءه في منصبه اصبحتا موضوع الكثير من التحليلات والتنبؤات. صحيح ان الاقتصاد الامريكي يمتاز بأداء جيد كما كان حاله طوال ثمانية اعوام متعاقبة, لكن من الواضح ايضا ان معظم الامريكيين يعتبرون ان ازالة الرئيس من منصبه عبر العزل بمثابة خطوة خطيرة جدا قد تؤدي الى زعزعة الاستقرار السياسي للامة لسنوات عديدة. ولو اقدم كلينتون على الاستقالة بمحض ارادته لدى انفضاح الامر بأنه اقام علاقة غير شرعية بالمتدربة بالبيت الابيض مونيكا لوينسكي, ثم قام بعد ذلك عمدا بتضليل الشعب الامريكي والمحققين الفيدراليين, لكان من السهل على معظم الامريكيين تفهم الوضع لكنهم مترددون في عزل رئيس منتخب عن منصبه لاول مرة في التاريخ الامريكي. ان معظم الامريكيين لا يتابعون عن كثب تفاصيل الفضيحة, فهم لا يريدون سماع المزيد حول التفاصيل الحميمة لعلاقات كلينتون بزوجته او نساء اخريات ويعتقد معظمهم بأن هذه مسألة خاصة مع ان بنود العزل تتهم الرئيس كلينتون بتضليل النظام القضائي عن سابق اصرار وترصد بما في ذلك شهادة الزور امام هيئة محلفين فيدرالية في تحقيق جنائي. لقد رسمت الخطوط الفاصلة في واشنطن بين اولئك الجمهوريين الذين يريدون تغيير الرأي العام واثبات ان الرئيس كلينتون اقترف اثما خطيرا ــ جرائم جنائية ــ واولئك الديمقراطيين الذين يريدون انهاء هذه الازمة السياسية بدون ان تسبب المزيد من الضرر للرئيس من اجل الحفاظ على سمعة ادارة كلينتون قبل ان يشن نائب الرئيس آل جور حملته للانتخابات الرئاسية عام 2000. انه لمن السخرية حقا ان يبدو الجمهوريون هم الذين يعانون من خسائر سياسية جسيمة عبر الابقاء على محاكمة الرئيس كلينتون حية ومحاولة اقصائه عن منصبه. ويعتقد الكثيرون ان مصالحهم في الانتخابات المقبلة ستتحقق ببقاء الرئيس كلينتون في منصبه مع تضرر سمعته بدلا من السماح لآل جور بتولي مهام الرئيس الآن والترشح في العام 2000 كرئيس اجباري بدعم قوي على نطاق الدولة. ان سلوك المشرعين الديمقراطيين في الكونجرس لا يقل غرابة عن ذلك, فهم يقاتلون بشراسة لبقاء رئيس لا يحبونه او يثقون فيه والذي تعتبر سياساته مستقاة من برنامج الجمهوريين اكثر مما هي من برنامج الديمقراطيين التقليديين. ربما يكون الامريكيون قد اصبحوا منذ انتهاء الحرب الباردة عاطفيين اكثر واقل استعدادا لقبول الحلول الوسط بعد ان باتت القضايا المحلية تهمهم اكثر من القضايا الدولية وخاصة تلك المتعلقة بالتعليم والضرائب والرعاية الطبية, وقد يكون السبب في ذلك هو ان النمو الرهيب لوسائل الاتصالات في نهاية القرن العشرين قد سلط ضوءا ساطعا ومتواصلا على القادة الامريكيين لدرجة ان ذلك ادى الى تحطيم الهالة المحيطة بالحكومة ربما الى الابد. وعلى اي حال, يبدو ان الاستنتاج هذا لا مفر منه, ان لم يكن يبعث على الاسف وهو ان الرئيس بيل كلينتون قد اصبح اكثر شخصية مثيرة للخلاف في الحياة العامة الامريكية. شغل منصب مسؤول الدفاع والسياسة الخارجية الامريكية خلال الفترة من 1981 ــ 1993 وهو شريك مؤسس لمؤسسة (آرميتاج اسوشيتز ال. سي في آرلينجتون بولاية فيرجينيا الامريكية)*