لو كان في استطاعتي الكتابة, لكتبت رواية عن فستان مونيكا, ولو أردت الحديث لكان حديثي عن الفياجرا أو الهوسة الجنسية, وأسفي شديد لتراجع ترجمات أدبنا العربي, وحرماني من الاستمتاع بغناء كوكب الشرق أم كلثوم وموسيقار الأجيال الفنان محمد عبدالوهاب , ولو صوتي عال لأعلنت تأييدي ومؤازرتي لشعب العراق, ولو كانت حركتي دائبة لقضيت ليلي ونهاري في حي الحسين وسعادتي لا توصف بتطوير حي الجمالية, ولكن عوامل الزمن وراء الكثير من همومي, فنظري بلغ مدى الضعف ولا أستطيع القراءة وكذلك سمعي, لذلك فإن أكبر هزيمة في حياتي هي عجزي عن القراءة وحرماني من أكبر متعة في حياتي وأكبر نصر بالطبع هو فوزي بجائزة نوبل, فرحتها كانت شديدة وما زالت, وهذه هي سنة الحياة, لذلك كنت أقول لقلبي دائما عليه ألا يفرح بلا نهاية!!) . انطلقت هذه الكلمات كالسهام من فم أديب نوبل العربي الكبير نجيب محفوظ أثناء حوارنا هذا مع اطلالته من شرفة الـ 87 عاما, وإلى نص كلماته: لو عاد بنا الزمن, ماذا عن الرواية التي كنت تفكر كتابتها الآن؟ ــ كانت هناك أغنية زمان تقول (بستان جمالك من حسنه) وكان يغنيها صالح عبد الحي وعرفت أن أصل الأغنية هي (فستان جمالك) لذا كان تفكيري يتجه على الفور للكتابة عن غراميات مونيكا, وكان الكتاب سيكون بعنوان (فستان جمالك يا مونيكا) , ثم ضحك ضحكته المعهودة وتابع الحديث بقوله: ما هو زمن الفساتين خاصة الزرق منها ولك أن تعلم انني أرفض تهمة المؤامرة لأن الحكاية الأصلية ممكن الاعتراف بها والاقتناع بأحداثها, فهذا رئيس معروف عن اهتماماته النسائية وهي بنت جميلة تعمل في مكتبه إذن حدوث علاقة بينهما شيء متوقع بدون تآمر, أما الاحتفاظ بالفستان فهو اعتزاز بلحظة أو بنشوة حب أو حتى نزوة مع أكبر رئيس لأكبر دولة, والأمريكان لم يدينوا كلينتون لإعجاب الرجال بتعدد علاقاته النسائية وكأنه حقق أحلاماً (لم يتمكنوا من تحقيقها وعموما) كل مجتمع له قيمه وعاداته وأخلاقه وهي تختلف من شعب, إلى شعب وبدون شك ان الأمريكان لديهم الحرية الكاملة في الأمور الجنسية وعلينا ان نعلم انه اذا كان هناك اعجاب بالرئيس الأمريكي مرة فإن هناك اعجاب بزوجته هيلاري أيضا لسلوكها المثالي في محنتها العائلية. ولقد شغلتنا وسائل الاعلام بالجنس, كانت البداية الفياجرا أو ما أثير حول تقوية القدرة الجنسية لدى الرجال, ثم جاءت فضيحة مونيكا, وأصبحت صحف العالم جميعا تمتلىء بتفاصيل جنسية رهيبة شئنا أم أبينا, فالجنس مهم في حياة الناس ولن يكون مرتبطا بفضيحة لرئيس أكبر دولة في العالم, فلابد ان تثير الفضيحة الاهتمام, وجاءت الفياجرا ضمن سلسلة اهتمامات لإعادة الشباب وبدأها فورونوف بعملية نقل خصية قرد الى انسان, لذا فيجب على وسائل الاعلام المحلية والعالمية والأمريكيين خاصة لقوتها في تبصير المشاهد حول الفياجرا وعواقب استخدامها على كبار السن ومرضى القلب, وأيضا علماء دين ورجال علم نفس بهدف تحقيق المعادلة الصعبة والتوازن بين الروح والجسد وهذا ما قدمته في الكثير من رواياتي واختلفت فيها مع الروائي الكبير فتحي غانم الذي قدم أشخاصا متخمين باللذة وإن كانت تخمة اللذة لا تتاح للكثيرين مثل تخمة الأكل. أما أنا فكان للجنس دور كبير في أزمات أبطالي مثل (السراب) وأيضا في (الثلاثية) , وكذلك في (بداية ونهاية) وعلينا ان نوقن ان الغرب الذي يعتقد البعض خطأ انه غارق في الجنس, ولكنه قدم إلينا روائع الأدب والفن والعلم والتكنولوجيا. اذا كانت الحياة هزائم وانتصارات فأين كاتبنا الكبير منها؟ ــ لقد قلت ان أكبر نصر لي هو فوزي بجائزة نوبل وأيضا نجاتي من المحاولة الآثمة لاغتيالي, أما الهزيمة فهي ليست هزيمة واحدة بل هزائم, ففي محاولة النشر وصعوبته كنت أشعر بمرارة شديدة. لكنني كنت أزداد تصميما, أما أكبر هزيمة فهي عجزي عن القراءة, لأن القراءة كانت أكبر متعة في حياتي لم أعد قادرا عليها الآن, وقبلها كانت العملية التي أجريتها في لندن. لذا كنت أقول لقلبي ألا يفرح بلا نهاية. وماذا عن الاحتفال بعيد الميلاد في حياتك؟ ــ (ضحك بصوت عال) نحن في عائلتنا وتقاليدنا لم نعرف الاحتفال بعيد الميلاد وكنا في الحرافيش قد اتفقنا انه كلما جاء عيد ميلاد واحد منا نقيم حفل عشاء ولكننا زهقنا واقتصر الاحتفال بعد ذلك على حفل صغير قبل احتفالنا الآن كما رأيت ليس فيه تورتة وشموع, بل احتفال كلام, وافضل ما نصل به الى احتفالنا الكلامي هذا هو ان نذكر مقولة الدكتور الصاوي حبيب طبيب القلب الشهير عندما تحدث عن حياته ان الحياة هزائم وانتصارات واننا بقدر ادراكنا لتلك الحقيقة نتخطى الهزيمة ولايصيبنا النصر بالغرور. ونحن نحتفل بعيد ميلادك الـ 87 ما هي خواطرك ولن أقول أحلامك وآمالك؟! إحساسي بالزمن يوشك ان ينتهي, انه يجري منذ الحادث الأليم الذي ترك بصمته على نظام حياتي ويدي التي ما زلت أتدرب على الكتابة بها تحت اشراف الدكتور يحيى الرخاوي, فرض علي أيضا البقاء في البيت لفترة أطول من أي مرحلة مضت من عمري ولا أتحرك خارج البيت سوى تحت حراسة مشددة ولكنني الحمد لله تقدمت ولكنه تقدم أبطأ من أي تصور, فهل تتخيل أن الهدف من الكتابة هو تحريك عضلات الأيدي كالشخبطة, بالرغم من ان هذا الحادث المأساوي مضى عليه قرابة أربعة أعوام؟ (أيضاً) ترك الزمن بصمته لدرجة انني فقدت الاهتمام بما يكتب لأنني غير قادر على القراءة وأتابع الصحف من أحد أصدقائي الذي يحضر يومياً لقراءتها وان كان حزني كبيرا لعدم استطاعتي قراءة أعمالي التي تمت ترجمتها للاسبانية, وللحقيقة ان هذه الأعمال لم تعد مدهشة بالنسبة لي وأصبحت لا أشعر بالقمة ولا بالهاوية, كلمات يجب أن أؤكدها في لحظة صدق مع النفس, نعم وصلت الى القمة المتاحة لمثلي ولكنني نسيتها بعد الوصول إليها, فزمان كنت أنظر للدنيا من خلال شرفة أو نافذة كبيرة, الآن أطل عليها من مرحلة الطفولة والصبا والشباب, لدرجة أنني شبعت تأملات. ويضيف: كنت زمان استمتع بالقراءة والكتابة, كانت كتب السيرة الذاتية رفيقي والرواية بكافة أشكالها وشجرة البؤس لطه حسين الذي تابعته منذ الصغر حتى وصوله لمرتبة عميد الأدب العربي, كتب عني أفضل ما كتب وأثرى حياتي, لقد قدم لي ولمصر الكثير, وقدم للدنيا كناقد ومؤرخ ومفكر ووزير للمعارف, لقد كتب جميع أشكال الرواية, وأول من كتب قصة الأجيال, وتفكيري في كتابة الثلاثية جاء أثناء قراءاتي لطه حسين. وماذا عن توفيق الحكيم؟ ــ لقد قضيت معه 40 عاما في جريدة الأهرام واختلاطي كان أكثر ويختلف بالطبع عن طه حسين الذي كان أستاذا لا يمكن زيارته إلا بموعد سابق. القاهرة ــ عبد اللطيف خاطر: خدمة ا. ب ــ خاص البيان