بدأ العد التنازلي في العالم لاطلاق العملة الاوروبية الموحدة (اليورو) التي سترى النور مطلع يناير المقبل. وقد بدأت عواصم المال العالمية والمؤسسات المصرفية بالاستعداد للتعامل مع العملاق الجديد الذي سينافس الدولار والذي يصفه الخبراء بأنه أكبر تحول هيكلي للسياسة المالية العالمية في التاريخ الانساني كله . ومن أكبر تداعيات العملة الأوروبية تقارب البورصات الاوروبية التي تتجه لاقامة اكبر بورصة في العالم رغم الحرب بينها على اعتماد مؤشر جديد لها وفقا للاوضاع الجديدة وإعادة تشكيل النظام المالي العالمي خاصة انه سيؤثر على اسعار الفائدة الامريكية وأسعار صرف العملات في مختلف دول العالم, وعلى الصعيد الخليجي يرى الخبراء ان الاقتصادات الخليجية ستستفيد من اطلاق اليورو بشرط انتهاج سياسات مالية مصرفية سليمة تواكب اطلاق اليورو وتأثيراته المحتملة. وتشهد البورصات الاوروبية, التي كانت تتعامل بحساسية شديدة فيما بينها, تقاربا عشية بدء العمل باليورو الذي سيصبح رسميا عملة موحدة للاوراق المالية صبيحة الرابع من يناير المقبل. وكانت اعادة تشكيل اجواء اسواق المال الاوروبية بدأت في مطلع الصيف الماضي مع الاعلان الصاعق عن التقارب بين بورصتي لندن وفرانكفورت, اكبر بورصتين في القارة القديمة كونهما تشكلان قرابة نصف رسمة البورصات فيها. وتسارعت العمليات الكبيرة مع اقتراب نهاية السنة مع بدء مباحثات بين ثماني بورصات, بينها بورصتا لندن وفرانكفورت, بمبادرة من بورصة باريس التي تركت خارج التحالف الالماني البريطاني, بهدف تحقيق فكرة اقامة بورصة أوروبية كبرى. وبموازاة ذلك بدأت تتشكل تحالفات اقليمية داخل منطقة اليورو, بين امستردام وبروكسل ولوكسمبورج, وعند اطراف المنطقة بين ستوكهولم وكوبنهاجن وأوسلو. كما بدأت تبرز شبكة أوروبية لتحديد مقادير الزيادة على أساس مؤشر اليورو (يورو.ان.ام), تجمع بين بورصات باريس وبروكسل وفرانكفورت وامستردام, على ان تنضم اليها لاحقا ميلانو وستوكهولم وكوبنهاجن وزيوريخ, وربما لندن. اما الدافع وراء التقارب بين البورصات الاوروبية وتناسي الخلافات القديمة فيرى خبير في احد المصارف الفرنسية الكبيرة انه جاء نتيجة للاتجاه نحو اعطاء المدخرات طابعا أوروبيا بدلا من الطابع المحلي. ويضيف الخبير ان (المدخرين في جميع الدول الاوروبية بدأوا بتحويل مدخراتهم الى العملة الدولية بدلا من العملات المحلية) . ويتوقع ان تتسارع هذه الحركة مع اعتماد اليورو. واعتبارا من الرابع من يناير, ستعامل الاسهم المسعرة باليورو معاملة الاسهم الوطنية من قبل مديري الصناديق المالية الاوروبية الذين يمكن ان يضموها الى حقائبهم المالية. ويقول احد السماسرة الفرنسيين ان العملة الموحدة ستتيح للمستثمرين اجراء (مقارنة بين اسعار الاسهم في مختلف البورصات) . ويقول مارك هودل, من شركة سالومون سميث بارني الأمريكية للسمسرة, ان (وضع المستثمر الاوروبي سيكون اشبه بوضع المستثمر في الولايات المتحدة منه بمدير صندوق اقليمي آسيوي أو لاتيني امريكي) . ويضيف هودل ان المستثمرين سيحددون من الآن فصاعدا خياراتهم تبعا لقيمة الاسهم وقطاع الاستثمار اكثر منه تبعا للهوية الوطنية للسهم. الا ان تنوع الحقائب المالية الاوروبية لن يحدث بين ليلة وضحاها اذ يخشى ان ينتظر المشرفون على الصناديق والاوراق المالية حتى يستقر اليورو قبل الاستثمار بكثافة في بلد غير بلدهم. ويلاحظ خبير في مصرف فرنسي ان هذه الحركة سيرافقها تطور كبير في مفهوم السهم سيتجسد في نمو منتظم لاحجام المبادلات. ويضيف انه (بعد الازمة الروسية, لم يتراجع حجم المبادلات. وهناك شعور بان التعلق بالبورصة ليس مجرد تعلق عاطفي) . وامام اتخاذ الاستثمارات صفة اوروبية وولع الاوروبيين بالاسهم, فانه من مصلحة بورصات القارة ان تتفق لتقدم وبسرعة الى عملائها منفذا الى اسواق اخرى. ويقول مضارب فرنسي ان (البورصات مضطرة للتعاون) . اما السوق التي ستبقى وحدها فستتعرض للتهميش. ويترافق اعتماد اليورو مع بروز مؤشرات مالية جديدة وتنافسية وذات طابع غير محلي يعكس اختفاء الحواجز بين البورصات الاوروبية. ويقول مارك هودل من شركة سالومون سميث بارني الأمريكية للسمسرة ان سوق اليورو (ستعتمد في النهاية مؤشرا مرجعيا واحدا مثل مؤشر ستاندرد اند بورز 500 في الولايات المتحدة) . وفي معركة الفوز بمنصب المؤشر المالي الاوروبي المعتمد, تبدو مؤشرات (ستوكس) الاوفر حظا. وهذه المؤشرات التي اعتمدت في فبراير 1998 من قبل المؤشر الأمريكي داو جونز بالشراكة مع بورصات باريس وفرانكفورت وزيوريخ, تحظى بتأييد معظم الشركات المالية ووسائل الاعلام. الا انها ليست الوحيدة في السوق. فالوكالة الأمريكية (ستاندرد آند بورز) اطلقت في اكتوبر مؤشرات منافسة في حين عرض مصرف الاعمال الأمريكي مورجان ستانلي دين ويتر وسائل لتقييم الاسواق الاوروبية باعتماد مؤشراته (ام.اس.سي.آي). ويتوقع هودل ان يؤدي الاتحاد الاقتصادي والنقدي الى زيادة استخدام وشعبية المؤشرات الاوروبية. ويقول هودل ان (المستثمر الراغب في الاستثمار في احدى دول اليورو التي لا يعرف عنها الكثير, سيقوم بشراء الاسهم التي تظهر في المؤشرات) . وعليه يتوقع ان يشجع اليورو في البداية على شراء اسهم الشركات الاكبر والاسهم الممتازة (بلو تشيبس) التي تعتمدها اهم المؤشرات الاوروبية. ويؤكد خبير في مصرف باريسي انه عندما يرغب مستثمر في (استثمار 15 في المئة من امواله في المانيا, فبديهي انه لن يستثمر في شركات صغيرة, وانما في الاسهم الممتازة) . وهذا يفسر لماذا تتقدم اسهم الشركات الكبيرة بسرعة اكبر من الشركات المتوسطة والصغيرة منذ بضعة اشهر. ويقال في باريس ان القسم الاكبر من التعاملات يتم من خلال اسهم حوالي 15 شركة في مؤشر كاك. ويقول مضارب فرنسي ان السوق ستتمحور بالتأكيد حول (نواة صلبة مثل مؤشر يورو ستوكس 50 الذي يضم 50 من الشركات الاوروبية الناجحة) . وفي المقابل, يتوقع ان تشهد المؤشرات القطاعية نموا, مثل مؤشرات شركة يوروبنش البلجيكية. فمديرو الاوراق المالية الاوروبية سيتجهون اكثر فأكثر نحو تشكيل حقائبهم تبعا لقطاع النشاط وليس للبلد. ومع اقتراب العمل باليورو حدد المصرف المركزي الاوروبي امس الأول مستوى نسب الفوائد التي سيستخدمها في ادارة السياسة النقدية في الدول التي ستعتمد العملة الاوروبية الموحدة. وقد حددت بــ 3% نسبة الفائدة الرئيسية في (النظام الاوروبي للمصارف المركزية) وهي (نسبة الفائدة لعمليات اعادة التمويل الرئيسية) (ريفي). ويفترض ان تسمح نسبة الفائدة هذه للمصارف بالحصول على سيولة بوتيرة اسبوعية تستحق في غضون اسبوعين لقاء سندات مالية تودع لدى المصرف المركزي الاوروبي. وشدد رئيس المصرف المركزي الاوروبي فيم دويزنبرج في مؤتمر صحافي عقده مساء الثلاثاء الماضي في فرانكفورت على سعي المصرف الى ضمان الاستقرار المالي في منطقة اليورو. وقال ان (نسبة 3% هي نسبة متدنية جدا تاريخيا. ان المصرف المركزي الاوروبي لا يريد ان يعطي اي انطباع باحتمال خفض لنسب الفوائد في مستقبل قريب) . وقرر المصرف المركزي الاوروبي في خطوة احترازية ضبط نسبة الفائدة (ريفي) في مرحلة انتقالية تستغرق ثلاثة اسابيع ضمن هامش ضيق اذ حدد سقفا ادنى هو 2,75% وسقفا اعلى هو 3,25%. وفي ختام الاسابيع الثلاثة سيكون الفارق طبيعيا اكثر (2% و,5 4%). ويفترض ان يسمح هذا الهامش الضيق بتجنب تحركات كبيرة في السوق المهتزة اصلا بسبب الانتقال الى اليورو. وطمأن دويزنبرج الاسواق قائلا ان (اليورو ستطلق, على الاقل فيما يتعلق بأوروبا, في افضل الظروف الاقتصادية. لا شك اننا كنا سنكون سعداء لو ان الاجواء الدولية كانت اكثر هدوءا, لكن الازمة العالمية لم تؤثر على عملية الانتقال الى اليورو) . ورغم اعرابه عن الارتياح للاستقرار في منطقة اليورو حذر دويزنبرج من احتمال حصول بعض البلبلة في الاسواق لا سيما من خطر رفع كبير للاجور, كما كرر دعوته الى الحكومات لتصحيح موازناتها. وعلى الصعيد الخليجي أكد مصرفيون وخبراء بالامارات ان هذه العملة ستترك آثارا كبيرة على اقتصاد الامارات ودول مجلس التعاون الخليجي العربية, بالاضافة الى التأثرات على النظام المالي العالمي. وقال الخبراء ان (اليورو) أكبر تحول هيكلي للسياسة المالية العالمية في التاريخ الانساني كله, كما انه سيؤدي الى ظهور أكبر اقتصاد عالمي يتجاوز خلال خمس سنوات الاقتصاد الأمريكي, وانه سيمثل تحديا خطيرا وحقيقيا للدور الأمريكي خاصة انه سيؤثر على اسعار الفائدة الامريكية وأسعار صرف العملات في مختلف دول العالم. وكشف الخبراء لــ (البيان) ان انطلاق اليورو ستستفيد منه الاقتصاديات الخليجية بشرط انتهاج سياسات مالية ومصرفية سليمة, وأضافوا ان الاستقرار النقدي في أوروبا بعد العمل بــ (اليورو) سيوفر للشركاء الخليجيين امكانية تكييف أنظمتهم وسياستهم النقدية والبدء في وضع سياسات مالية حذرة وإرساء إصلاحات مالية هيكلية مهمة بهدف تذليل العقبات أمام اندماج الاقتصادات الخليجية في الاقتصاد العالمي.