أمين الجميّل يرجئ عودته الى لبنان

ارجأ الرئيس اللبناني السابق أمين الجميل في اللحظات الأخيرة عودة كانت مقررة أمس الى لبنان بعد غياب دام عشر سنوات الأمر الذي أثار تكهنات بين المنع والارجاء وتضاربت التفسيرات حول العدول المفاجئ واعتبر البعض هذا الحدث سقوطاً في أول اختبار ديمقراطي للرئاسة الجديدة في ظل أميل لحود الذي أفادت تقارير انه اضطر في الساعة الواحدة من فجر أمس الأول الخميس التراجع عن اتفاقه مع الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل بالسماح له بالعودة إلى لبنان, بعد نفي طوعي في فرنسا استمر حوالي عشر سنوات, وابلاغه بواسطة سفيره في باريس ناجي أبي عاصي في الحادية عشرة ليلا بالتوقيت المحلي الفرنسي بوجوب العدول عن العودة الى بيروت التي كانت مقررة ظهر أمس الجمعة. وذكر الجميل في اتصال اجرته معه (البيان) من لندن صباح أمس, انه بعد تسلمه رسالة السفير اللبناني, اتصل بالأمين العام لوزارة الخارجية في بيروت ظافر الحسن في منزله مستفسرا فسمع منه (كلاماً غير مطمئن) برره بوجود (قضايا قانونية معقدة) في اشارة الى زيارة الرئيس اللبناني الأسبق الى السفارة الاسرائيلية في باريس عام 1995 للتعزية باغتيال رئيس وزراء اسرائيل الأسبق اسحق رابين. وأعرب الجميل عن اعتقاده ان هذا التبرير الواهي غير مقبول لأن المفاوضات التي جرت مع لحود من قبل تسلمه الرئاسة, اي من يوم انتخابه رئيسا جديداً, لابد وان تكون أخذت بعين الاعتبار هذه النقطة بالذات (خصوصا) وان الرئيس الأسبق لا يترك عادة شاردة أو واردة في تعاطيه السياسي دون اشباعها درسا وتمحيصا (نسبة الى احد المقربين اليه) فكيف إذا كانت القضية بحجم زيارة التعزية للسفارة الاسرائيلية؟ التي تمت في الوقت الذي كانت فيه مفاوضات (واي بلانتيشن) بالقرب من واشنطن بين السوريين والاسرائيليين ما زالت مستمرة, واللقاءات بين الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وشمعون بيريز وصور (التعانق والتقبيل) بينهما تنشر يوميا في وسائل الاعلام العالمية, والزيارات المتبادلة بين كبار المسؤولين الاردنيين والمغاربة والمصريين مع كبار مسؤولي الحكومة العبرية قائمة على قدم وساق. الا ان أوساطا سياسية واعلامية في بيروت مقربة عادة من نجل الرئيس السوري الرائد بشار الأسد اعربت لـ (البيان) في اتصال هاتفي آخر بها أمس عن شكها في أن يكون لدمشق دور في حمل الرئاسة اللبنانية على العدول عن استقبال الجميل, (لأن مصلحة دمشق في الفترة الرئاسية اللبنانية الجديدة هي في العمل على عودة المعتدلين من المعارضة المسيحية في الخارج, والجميل في طليعتهم, للتأكيد على دعم الرئيس لحود في مسيرته الديمقراطية الجديدة, ولتقليص تلك المعارضة الى أصغر حجم لها بتقطيع أوصالها وفصل عناصرها عن بعضهم البعض) وخصوصا فك عرى (التجمع اللبناني) بين قادته الثلاثة العماد ميشال عون والرئيس أمين الجميل ورئيس (حزب الوطنيين) الاحرار دوري شمعون الذي كان البادئ في الانضمام الى العهد الجديد ببدء تنسيق واضح وعلني مع الرئيس لحود) . وعزت تلك الأوساط عملية التراجع عن القبول بعودة الجميل الى بلده الى (صراع لبناني داخلي وحددت سببين لذلك, الأول ان جماعات الحريري صعدت خلال الأيام الأربعة الماضية من حملتها على العهد الجديد الذي اطاح رئيس الحكومة السابقة عن طريق حشره في الاستشارات الحكومية حتى الاعتذار, في محاولة لتحويل الأزمة الى طائفية بالزعم ان سقوط الحريري (يشكل هزيمة اسلامية) في البلاد و(انتصارا مسيحيا قاده لحود لاعادة الاعتبار الى الشارع المسيحي المهزوم منذ خروج العماد ميشال عون بالقوة العسكرية من قصر الرئاسة قبل تسع سنوات وأن رئيس الحكومة سليم الحص (ضعيف الشخصية ولا يمثل بثقله المذهبي الضئيل الشارع الاسلامي كما يمثله سلفه الملياردير اللبناني) . ومن هنا, تدخل الحص شخصيا ليل أمس الأول لتجميد عودة الجميل الى بيروت منعا لتأكيد ادعاءات جماعات الحريري الطائفية هذه خصوصا وانها كانت تستعد في اليوم نفسه أي أمس الجمعة, الى تأليب المصلين في جوامع بيروت ضد الدولة, بقيادة مفتي الجمهورية الذي يؤيد الحريري بلا تحفظ. وحيال هذه التحركات المفتعلة التي تصب في خانة استرجاع (اشباح الطائفية القذرة) التي ادت الى حرب لبنان, اعرب مسؤولون لبنانيون لـ (البيان) امس عن أسفهم لمحاولات تصوير الصراع القائم على انه طائفي, خصوصا وان بيان القسم الرئاسي للرئيس لحود كان واضحا لجهة اعادة دولة القانون الى لبنان في عهده بما فيها القضاء على الطائفية البغيضة, والعمل على تحسين الاداء في الدولة والشارع, معربين عن اعتقادهم ان مسيرة محاربة الفساد (ستستمر وان كل من يعارضها سوف يذهب ويندثر) . اما العامل الثاني الذي قد يكون لعب دورا فاعلا في منع الجميل, من العودة, فهو عامل الصراع السياسي المسيحي - المسيحي على زعامة الشارع وخصوصا في منطقة المتن التي كانت حكراً على حزب الكتائب طوال أكثر من خمسة عقود, وتحولت الآن الى الوقوع تحت وطأة وسيطرة أمثال وزير الداخلية الحالي ميشال المر عدد الكتائب وعدد آل الجميل الانتخابي, الذي استطاع في الانتخابات النيابية الاخيرة التي اشرف على اجرائها باجهزة الامن الرسمية الحكومية تسجيل نصر ساحق على اعدائه التقليديين. فميشال المر وجهات محلية لبنانية اخرى مثل (القوميين السوريين) والحزب الشيوعي الضعيف الذين يحاولون منع الجميل من العودة وتزعم حزبه من جديد بعد وفاة رئيسه جورج سعادة قبل اسابيع, لابد وانهم لعبوا دورا بارزا في تحضير الاجواء التي ادت الى تجميد عودة الرئيس اللبناني الاسبق امس, رغما عن توجهات الرئيس الجديد لحود, عن طريق احراجه بالمساهمة في تأجيج نيران الطائفية من جديد, وهو البعبع الاخطر الذي يخاف اللبنانيون عودته الى ارضهم بعدما كان جعلها قاعا صفصفا طوال اكثر من خمس عشرة سنة من الحرب. لندن - حميد غريافي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات