تحليل إخباري: الحص وأجاويد ...هروب الى الوراء

تكليف اللبناني سليم الحص والتركي بولنت أجاويد في يوم واحد بتشكيل حكومتين في بلديهما يذهب أبعد من المصادقة الزمانية الى التوافق في ملامح الظروف, أهم من ذلك أن التكليف المتزامن يكشف عن ملامح العقلية الشرقية . التكليفان صدرا عن مرجعية عسكرية, تكليف الحص صدر عن العماد اميل لحود قائد الجيش اللبناني الذي تولى رئاسة الجمهورية حديثا, تكليف اجاويد جاء عن أركان الجيش التركي بالضرورة حتى اذا كان ممهورا باسم رئيس الجمهورية سليمان ديميريل. الدكتور سليم الحص مثل بولنت أجاويد, ترأس الحكومة مرات عدة, وهي حقيقة تفرز فرضية أن لكل من الرجلين المكلفين دراية في ادارة شؤون البلاد والعباد, رغم ذلك فالثابت ان تكليف الحص جاء على نحو فجائي في سياق التطورات اللبنانية, الامر نفسه ينطبق على حال أجاويد, فالحص لم يكن ورقة مطروحة على طاولة الرهان اللبناني على عهد العماد لحود لكنه وثب فجأة الى الواجهة مرشحا وحيدا لخلافة رفيق الحريري. كما أن بولنت أجاويد لم يكن الخيار المرتقب الى حين فقدان يلماظ ثقة البرلمان. تولي الدكتور سليم الحص رئاسة الحكومة اللبنانية أربع مرات منحه رصيدا هائلا من الاحترام, لكنه لم يكسبه قامة عالية تضعه في مصاف عمالقة السياسة اللبنانيين, كذلك أجاويد يأتي متأخرا في طابور القيادات الكارزماتية على الصعيد التركي. الموازنة بين سليم الحص ورفيق الحريري ترجح بالضرورة كفة الملياردير اللبناني دون شك, الاقتصادي الاكاديمي قفز الى الواجهة على خلفية اتهام حكومة الحريري باشاعة مناخ الفساد او عجزها عن درء تداعياته, الاتهام لا يرقى الى مصاف الاهتمام في مقابل الاجماع على الاشادة بانجازات الحريري في التصدي لمهمة اخراج لبنان من تحت انقاض الحرب الاهلية. تسمية اجاويد رئيسا للوزراء جاءت على خلفية ادانة صريحة ليلماظ شخصيا وحكومته بالتورط في فساد المافيا. اختيار الحص جاء متزامنا مع ثورة تغيير مرتقبة بقيادة اميل لحود, قائد الجيش لا يرغب واقع الامر في وجود شخصية قيادية صلبة الى جواره من طراز الحريري, مثل هذه الشخصية التي تتمتع بنفوذ سياسي واقتصادي خارج محيط لبنان لها مغناطيسية على اجتذاب الاضواء اكثر من رجل عسكري يقتحم حلبة السياسة حديثا. من المؤكد ان العماد لحود سيجد في الحص خيارا مريحا, اذ ان قائد الجيش يكون قد قدم لرئيس الوزراء المتقاعد خدمة (حمله جميلة) باعادته الى رأس السلطة التنفيذية. بهذا المنطق يصبح الدكتور الحص جنديا مخلصا للعماد في المرحلة المرتقبة. على الصعيد التركي لم يعد زعيم حزب اليسار الديمقراطي طرفا في لعبة تغيير المقاعد الامامية, بولنت اجاويد ظل خارج حلبة المنافسة بين الكبار نحو عقدين من السنين. السياسي المخضرم يعرف بتجربته الاستجابة لرئاسة الاركان التي تشكل السلطة السياسية العليا التي تدير شؤون تركيا. بعد تلوث يدي يلماظ واحتراق ورقة تانسوتشيلر لم يجد قادة الاركان خيارا مناسبا اكثر من اجاويد, زعيم حزب اليسار يعزف تلقائيا على وتر مناقض للحركة الاسلامية ومن ثم فهو جندي جاهز لتلقي اوامر القيادة العسكرية للقيام بأي عمل ضد هذا (البعبع) الجديد في تركيا. تكليف الحص مثل تسمية اجاويد هروب الى الوراء, الحص يحبو لجهة عتبة العقد الثامن من العمر, اجاويد قطع ثلاث خطوات في بحر العقد نفسه. احد ابرز ما تكشف عنه العقلية الشرقية هو هذا الارتهان الى (الكبار) عند كل منعطف حيوي, باسم الاعتماد على التجربة والخبرة تضيع اهم سمات الافتتاح على المستقبل بتكريس هذه النمطية المجحفة التي تفتقر الى الجرأة, ونعمق عمدا او عفو الخاطر ما بات يعرف بـ (صراع الاجيال) , المفارقة اللبنانية اكبر من غيرها اذ ان لحود الذي يقتحم حلبة السياسة للمرة الاولى مصحوبا بشعارات الثورة والتغيير يختار رجلا متمرسا في تناقضات اللعبة اللبنانية. كان لحود سيكون اكثر مصداقية في معركة التجديد فيما لو اختار - وهو الذي يقف على عتبة الستينات - وجها اكثر شبابا واقل انغماسا في لعبة السياسة. مقابل سليم الحص وبولنت اجاويد يطل وجه البريطاني توني بلير والامريكي بيل كلينتون ونائبه آل جور والالماني جيرهارد شرويدر. وجوه اكثر ديناميكية واكثر قدرة على العطاء. حكمة خارج العصر تلك التي تقول (الدهن في العتاقي) . كتب- عمر العمر

طباعة Email
تعليقات

تعليقات