يقول مفاوضون شاركوا في قمة واي بلانتيشن ان احداث اليوم الثامن للمفاوضات, الخميس المنصرم, لن تمحى من ذاكرتهم لما شهدته من احداث ووقائع مشحونة بالتوتر ومليئة بفنون المناورات والصراعات التي استمرت من العاشرة صباحا وحتى السادسة من صباح اليوم التالي لعشرين ساعة متواصلة . وأدرك المفاوضون منذ ساعات الصباح الاولى لهذا اليوم ونتيجة للشكل الذي رتبت به القاعة التفاوضية انه سيكون يوم الحسم: اتفاق او لا اتفاق. ويقول مفاوض فلسطيني (كان واضحا لنا انه سيتم الخروج باتفاق مع ادراكنا في الوقت نفسه ان (رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتانياهو) سيبذل قصارى جهده وسيستخدم كل طاقته في المناورة والخداع لكي يفلت من هذا الاستحقاق) . فقد تم وضع طاولات للوفود الثلاثة الفلسطينية والاسرائيلية والوسيط الامريكي في قاعة كبيرة حتى يتم اجراء المفاوضات المتواصلة في مكان واحد. وخصص مكان في ذات القاعة لكي يختلي القادة ببعضهم عندما يستدعي الامر لعقد (الصفقات) عندما تتعقد الامور. ومع مرور الساعات اخذت الاجواء تزداد توترا وتشتد الاعصاب أكثر فأكثر, واخرج كل طرف من جعبته ابرز فنونه التفاوضية, ووصل الامر احيانا الى مشاحنات بين القادة اذهلت المفاوضين لما استخدم في بعضها من اساليب وعبارات لا تصلح للنشر. ومن ذلك, اشار احد الدبلوماسيين المشاركين في المفاوضات والذي طلب عدم ذكر اسمه الى انفجار غضب الرئيس الامريكي بيل كلينتون في احدى اللحظات بسبب مطالب قدمت من نتانياهو. وقال ان كلينتون ضرب على الطاولة بقبضتيه وقال ما معناه (لم اشاهد في حياتي مثل هذه المساومات) واثارت العبارة التي استخدمها ذهول من سمعها, وفهموا منها ان الرئيس الامريكي مصمم على التوصل الى اتفاق. وفي اللحظة التي تلت انفجار غضب كلينتون اقترب مسؤول كبير في وفده من داني نافيه مدير مكتب نتانياهو وامسكه من ياقة قميصه وقال له (اسمع, اذا كان الرئيس لا يستطيع الكلام فانا استطيع) . وهو ما فهم منه ان الامريكيين مستعدون للتحدث علنا عن ان نتانياهو هو الذي عرقل التوصل الى اتفاق. واحس نتانياهو خلال سير محادثات هذا اليوم المشحون ان الكثير من اساليب المناورة التي استخدمها لا تؤتي ثمارها فوقف في احدى اللحظات وعلى مرأى من الكثيرين من الوفود الثلاثة ليرمي ورقة كان يحملها في الهواء تعبيرا عن غضبه ويقول بصوت مسموع (لا يوجد لدي مفاوضون) . ورأى مفاوض فلسطيني ان (نتانياهو فكك وفده نتيجة لتركيبته الشخصية واسلوب تفكيره وعمله) . وقال (فهو شكاك جدا تجاه وزير خارجيته آرييل شارون واختلف بشكل كبير مع وزير دفاعه اسحق موردخاي في عدد من القضايا الجوهرية وخاصة الامن والميثاق) . وعبر موردخاي بشكل علني اكثر من مرة عن خلافه مع نتانياهو. وشاركه احيانا عدد من المسؤولين الامنيين في الوفد الاسرائيلي. ذلك انه وبعد ان تم اغلاق الملف الامني في يوم سابق خلال الاجتماع الذي عقد بين كلينتون وموردخاي ومسؤول الامن الوقائي الفلسطيني في قطاع غزة محمد دحلان, عاد نتانياهو لطرح مطالب جديدة تعجيزية تعيد فتح هذا الملف. ويقول مفاوضون فلسطينيون ان نتانياهو ساهم بنفسه في تعطيل مفاعيل اسلوب مناوراته حين لعب بنفسه (بشكل فاشل) لعبة التهديد بحزم الحقائب ومغادرة القمة في اليوم السابق. ويضيف هؤلاء ان نتانياهو حدد ثلاثة مواعيد للمغادرة وفي كل من هذه المواعيد كان البروتوكول الامريكي يأتي اليه ليقول له ان ترتيبات مغادرته باتت جاهزة وفهم نتانياهو الرسالة الامريكية من ذلك, وهو ان الادارة الامريكية ستحمله علنا مسؤولية افشال المفاوضات وهو امر لا يستطيع تحمل تبعاته السياسية دوليا واقليميا وان كان يفيده في اوساط جمهوره المتشدد فقط. ويقول متفاوض فلسطيني ان (الفلسطينيين ادركوا انه سيتم ابرام اتفاق قبل ساعات عدة من انتهاء المحادثات, وذلك حين بدأ شارون بالاتصال بعدد من اعضاء الحكومة الاسرائيلية في اسرائيل لتسويق الاتفاق لديهم) . وفي الوقت الذي كان شارون يتولى مهمة تسويق الاتفاق كان نتانياهو يصعد من شروطه ويضع اخرى تعجيزية. وكانت قضية الاسرى الفلسطينيين اخر نقطة حساسة عالقة يبدي فيها نتانياهو تشددا كبيرا. وبالمقابل تمسك الفلسطينيون برفع عدد الاسرى الذين سيتم الافراج عنهم الى اكبر رقم ممكن. وتدخل الامريكيون بشكل مكثف وعلى كل المستويات للمساهمة في تسوية هذه المسألة والتي مع الوصول الى حل لها انتهت المحادثات وولد الاتفاق. ــ أ.ف.ب