بعد 18 شهرا من الجمود وتسعة أيام من المفاوضات الماراثونية في واي بلانتيشن لم تخل من عقبات ومساومات اسرائيلية حتى اللحظات الاخيرة, وقع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو على اتفاق السلام الانتقالي الجديد في القاعة الشرقية للبيت الابيض في ساعة مبكرة من صباح اليوم السبت بتوقيت الامارات بحضور الرئيس الامريكي بيل كلينتون والعاهل الاردني الملك حسين . كما حضر الحفل آل جور نائب الرئيس الامريكي ومادلين اولبرايت وزيرة الخارجية وعدد من اعضاء الكونجرس واركان الادارة الامريكية وبعض السفراء المعتمدين في واشنطن. وكاد الاتفاق يتعرض لنكسة التأجيل حتى اليوم لاشتراط نتانياهو الافراج عن الجاسوس الاسرائيلي جوناثان بولارد الذي يقضي عقوبة السجن مدى الحياة بالولايات المتحدة, فضلا عن مطالبتها بالافراج عن جاسوس آخر هو عزام عزام في مصر وهو الامر الذي رفضته القاهرة, كما رفضت واشنطن الربط بين بولارد والتوقيع واعربت عن خيبة املها وشعورها بالمفاجأة, الا ان الرئيس الامريكي استطاع تخطي تلك العقبة بتعهده باجراء مراجعة رسمية للقضية فيما قالت مصادر اسرائيلية ان نتانياهو قلص مقابل ذلك عدد من وافق على الافراج عنهم من السجناء الفلسطينيين وهو 750 سجينا إلى رقم آخر لم يكشف عنه, وفضلا عن ذلك اعترف بنفسه بتحقيق ثمانية مكاسب مهمة لاسرائيل في الاتفاق. ووصف الرئيس الامريكي بيل كلينتون في كلمته الاتفاق بانه يبني الثقة ويجدد الامل في اقرار السلام. كما وصف المفاوضات بانها كانت صعبة جدا وطويلة وبلا نوم. وشكر الرئيس كلينتون اعضاء وفد السلام الامريكي والملك حسين على مساعيه الحميدة في المفاوضات. ووصف الاتفاق بانه يوفر الامن لاسرائيل, ويؤكد للفلسطينيين الحصول على اربعين بالمائة من اراضي الضفة الغربية. واضاف ان قمة ماريلاند التي حضر اغلبها كانت طويلة وشاقة. وقال (الان يجب ان يبني الجانبان على ذلك, وان يشرعا في رحلة طويلة تجاه تسوية دائمة) . واعلن كلينتون ان عرفات ونتانياهو وافقا على بدء مفاوضات الوضع النهائي فور التوقيع على هذا الاتفاق, كما اعلن انه قدم الدعوة لهما لمواصلة المباحثات في المستقبل. وأضاف: لقد بذلنا جهودا كبيرة ولم نعرف النوم من أجل التوصل الى هذا الاتفاق لتحقيق السلام الدائم. وقال: ان هذا الاتفاق جيد للامن الاسرائيلى حيث قدم الفلسطينيون التزامات قوية واننا سنواصل التعاون الامني مع اسرائيل من خلال خطة شاملة لمكافحة الارهاب وبنيته التحتية. وقال الرئيس كلينتون ان هذا الاتفاق جيد للرفاهية السياسية والاقتصادية للفلسطينيين حيث يوفر الاتفاق مناطق جديدة تقع تحت سيطرة السلطة الفلسطينية فى الضفة الغربية ويقدم للشعب الفلسطينى امكانيات اقتصادية ومنطقة صناعية ومطارا ولذلك فان الشعب الفلسطينى سوف يستفيد من السلام وان الاهم من ذلك ان الاتفاق سوف يكون هاما لعملية السلام فى حد ذاتها. وأوضح كلينتون انه بعد 18 شهرا من سوء التفاهم وعدم الثقة والفشل بين الفلسطينيين والاسرائيليين أصبح الجانبان مرة اخرى شركاء فى عملية السلام؟ وان الرئيس عرفات والمجلس الوطنى الفلسطينى مطالبان بالتأكيد على تنفيذ الالتزامات ومساندتهما لعملية السلام . وأضاف كلينتون ان شعوب العالم سعيدة بهذا الاتفاق وان الشعبين الفلسطينى والاسرائيلى اللذين كانا أعداء الامس قد اجتمعا اليوم من أجل تسوية الخلافات والعيش معا فى سلام وتعاون وصداقة حقيقية. واضاف كلينتون انه سيطلب من الكونجرس الامريكي بحث برنامج للمساعدات الاقتصادية للطرفين وسيعيد النظر في مسألة الجاسوس الاسرائيلي السجين جوناثان بولارد لكنه اكد انه لم يقدم التزاما محددا بذلك, ولم يتخذ أي قرار بشأن اطلاق سراحه. ومن جانبه, قال عرفات انه لا تراجع عن السلام ولا عودة إلى العنف والمواجهة, مضيفا ان الاتفاق يثبت ان (عملية السلام ماضية ومستمرة) وانه (لا تراجع عن السلام ولا عودة إلى المواجهة ولا عودة إلى العنف) . وقال (نحن ملتزمون التزاما كاملا بأن نفعل كل ما هو مطلوب منا لتحقيق الامن الحقيقي والسلام الدائم) . واضاف (سأعمل كل ما بوسعي لكي لا يصيب القلق أي ام اسرائيلية من ان تفقد ابنها) . ودعا عرفات إلى التنفيذ السريع والدقيق لما تم الاتفاق عليه وطالب كلينتون بأن يواصل متابعة تنفيذ الاتفاق. ووجه عرفات حديثه إلى رئيس الوزراء الاسرائيلي واصفا اياه بأنه (شريكي مستر نتانياهو) كما وصف ما تحقق في واي بلانتيشن بأنه (سلام الشجعان) . ودعا عرفات إلى العمل على تنفيذ قرارات مجلس الامن التابع للامم المتحدة ومنها القراران 242 و338 وإلى بذل كل الجهود الممكنة من اجل حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه مع تحقيق الامن للشعب الاسرائيلي. في حين اعتبر رئيس الوزراء الاسرائيلي ان الاتفاق يحقق مزيدا من الامن لجميع الاطراف, واعرب عن شكره الشخصي لعرفات لتعاونه. وقال نتانياهو ان الاتفاق يحقق (مزيدا من الامن لاسرائيل وللمنطقة بأسرها) . واضاف ان الفلسطينيين وافقوا اخيرا على الغاء جميع الفقرات التي تنص على تدمير اسرائيل في الميثاق الوطني الفلسطيني وعلى سجن (القتلة) وضرب البنية الاساسية (للارهاب) على حد قوله. واضاف: (اننا نتمتع اليوم بقدر اكبر من الامن لانه للمرة الاولى منذ توقيع اتفاقيات اوسلو (الاسرائيلية الفلسطينية في 1993) سنرى تعهدات ملموسة وقابلة للتحقق ستصل إلى غايتها) . واوضح ان (شركاءنا الفلسطينيين سينضمون الينا لمحاربة الارهاب ووضع القتلة في السجون واخيرا وبعد 35 عاما سيلغون بنود الميثاق الفلسطيني التي تدعو إلى تدمير اسرائيل. وبعد الانتهاء من القاء كلمته, صافح رئيس الوزراء الاسرائيلي الرئيس الفلسطيني طويلا في ظل تصفيق حاد من قبل الحاضرين في القاعة ومن قبل الرئيس كلينتون والعاهل الاردني. واعلنت اولبرايت التي كانت أول المتحدثين في حفل التوقيع, ان الاتفاق وضع حداً (لطريق مسدود خطير) في الشرق الاوسط. واشارت إلى ان (حفل امس يشكل ذروة جهود استمرت نحو العام ونصف العام) , ويضع حدا لطريق مسدود خطير كان يسبب قتل الثقة وامكانية تحقيق اي تقدم, وحيت (شجاعة) المسؤولين الاسرائيليين والفلسطينيين و(حكمة) العاهل الاردني الملك حسين و(تصميم) كلينتون, كما ركزت في بداية خطابها على الاشادة بالعاهل الاردني. ووصف نائب الرئيس الامريكي آل جور الذي كان ثاني المتحدثين كلا من عرفات ونتانياهو بانهما ابطال, مشيراً إلى أن ما قاما به استلزم شجاعة حقيقية ونادرة. ومضى آل جور يقول ان ما قام به الرئيس الامريكي بيل كلينتون ايضا سواء في البوسنة أو هايتي أو ايرلندا الشمالية يعكس التزامه الذي لا يقبل الشك أو المساومة بنشر السلام في المناطق الاكثر توترا في العالم. واكد آل جور انه بفضل القرارات الشجاعة التي اتخذها كل من عرفات ونتانياهو يستطيع اطفال الغد العيش في سلام في الشرق الاوسط, ثم قام آل جور بعد ذلك بتقديم كلينتون لالقاء كلمته. واشاد عاهل الاردن بالاتفاق, وقال الملك حسين الذي يعالج من السرطان في مايوكلينيك بواشنطن, ان الاتفاق (يعتبر دواء مشجعا لي) . وقد عرقل نتانياهو في اللحظة الأخيرة التوقيع على الاتفاق متهما كلينتون بخيانته فيما يخص عدد الأسرى الفلسطينيين المتفق على الافراج عنهم وتراجعه عن اطلاق سراح بولارد. ورفضت واشنطن هذا الربط وأعربت عن خيبة أملها, رغم اعلان نتانياهو في وقت سابق, انه أحرز ثمانية مكاسب في هذا الاتفاق أهمها الغاء المجلس الوطني الفلسطيني بنود الميثاق وخطة أمنية مفصلة لقمع المقاومة الاسلامية, اضافة لتأجيل البحث في الانسحاب الثالث الذي لن يزيد سقفه على 1% وسط مطالبة الرئيس المصري حسني مبارك الذي اطلع على الاتفاق بأن تكون بنوده واضحة ومتوازنة, اضافة لرفضه, حسب الاذاعة العبرية, الافراج عن الجاسوس عزام عزام الذي طالب به نتانياهو. وكررت مصر أمس على لسان مصدر مسؤول رفيع المستوى رفض اطلاق سراح الجاسوس عزام. فيما يجري عمرو موسى وزير الخارجية المصري مع نظيره الفرنسي هوبيرفيدرين تقييما للاتفاق. ومن جانبه اتهم خالد سلام المستشار الاقتصادي للرئيس الفلسطيني رئيس الوزراء الاسرائيلي بابتزاز واشنطن للافراج عن بولارد, وكانت اسرائيل قد نفت أمس التوصل لاتفاق مع واشنطن حول اطلاق سراح بولارد وذلك بعد ساعة من اعلان دبلوماسي مقرب من المفاوضات عن التوصل لاتفاق, وعن عودة بولارد مع الوفد الاسرائيلي الى بلاده اليوم. وكان الرئيس الامريكي اتصل هاتفيا مساء امس بنظيره المصري ليطلعه على بنود الاتفاق الذي انجز في واي بلانتيشن كما تلقى مبارك اتصالا مماثلا من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. واكد الرئيس المصري خلال الاتصالين على ضرورة ان يكون الاتفاق بين الفلسطينيين والاسرائيليين خطوة على طريق السلام العادل وان تكون بنوده واضحة الصياغة مشددا على اهمية ان يشمل الاتفاق ضمانات التنفيذ بشكل محدد كما ابدى مبارك ملاحظاته ووجهة نظره حول ماتم التوصل اليه من اتفاق. لكن الاتفاق على مايبدو لم يكن في صالح الفلسطينيين ما دفع وزير الاعلام ياسر عبد ربه الذي شارك في المفاوضات لانتقاده حيث قال انه أقل بكثير مما كان مطلوبا. وحذر من ان الاتفاق ينطوي على (نواقص وثغرات عديدة) واضاف ليس لدي ادنى ثقة في ان الاسرائيليين سيحترمون الاتفاق وينفذونه. وكان نتانياهو سارع فور تسرب انباء الاتفاق في وقت سابق الى التأكيد عبر الاذاعة العبرية على ان الجانب الاسرائيلي احرز ثمانية مكاسب مهمة في هذا الاتفاق. واوضح نتانياهو ان اول هذه المكاسب هي اصرار الجانب الاسرائيلي على ان يعقد المجلس الوطني الفلسطيني لالغاء بنود الميثاق الوطني التي تتعلق بتدمير اسرائيل. وبالنسبة الى المرحلة الثالثة من اعادة الانتشار قال انها لن تزيد على واحد بالمئة, حيث اتفق على تشكيل لجنة فلسطينية ــ اسرائيلية للبحث فيها بعد شهر من بدء الانسحاب الثاني. وفيما يتعلق بالجانب الامني اضاف انه تم الاتفاق على تقليص اعداد الشرطة الفلسطينية من ستة وثلاثين الف رجل الى اربعة وعشرين الف رجل بموجب اتفاق اوسلو.. بالاضافة الى نزع ما اسماه بالسلاح غير المشروع ونقله خارج مناطق السلطة الفلسطينية وعدم وجود قذائف واسلحة مضادة للدروع في الاراضي الفلسطينية. كما يتضمن الاتفاق على حد قول نتانياهو ربط الانسحاب في المرحلة الثانية بالتزامات فلسطينية امنية والاتفاق على الوضع النهائي بالاضافة الى تقديم خطة فلسطينية تتعهد السلطة فيها باستئصال شأفة المنظمات المسلحة وتدمير بنيتها التحتية وتشكيل جهاز للرقابة على ما اسماه بالتحريض الاعلامي. وسط انباء عن موافقة الفلسطينيين على اعتقال 30 من 36 تطالب بهم اسرائيل. ولم يتطرق نتانياهو في تصريحاته الى قضايا المطار والممر الامن والمنطقة الصناعية والاستيطان. وكرر امين عام الحكومة الاسرائيلية داني نافيه القول بأن الوفد الاسرائيلي حقق نجاحاً (غير مسبوق) خلال المفاوضات حول احترام الفلسطينيين لتعهداتهم (واعتقال الارهابيين) . ـ الوكالات