تنفست الأزمتان التركية ــ السورية واليوغسلافية ــ الأطلسية فجأة في لحظة واحدة تقريبا مساء الاثنين الماضي من رئتيهما المحتقنتين اللتين كاد انسدادهما شبه الكامل قبل ذلك بساعات قليلة ينذر باندلاع جبهتي قتال دمويتين في الشرق الأوسط والبلقان, يصعب التكهن بتطوراتهما الدراماتيكية وبالنتائج التي كانت ستترتب عنهما . واستطاع المبعوثان المصري وزير الخارجية عمرو موسى والامريكي السفير ريتشارد هولبروك الى كل من أنقرة وبلجراد العودة منهما الى كل من دمشق وقيادة حلف شمال الاطلسي في بروكسل البلجيكية في وقت واحد مساء الاثنين بآمال طارئة جمدت (الزحفين) الجويين التركي والغربي على سوريا ويوغسلافيا, حيث كانت أكثر من 500 مقاتلة وقاذفة جوية أمريكية وأوروبية أدارت محركاتها استعدادا للانطلاق فجر اليوم التالي (الثلاثاء) لضرب البنيتين العسكرية والاقتصادية و(تسويتهما بالأرض) كما هدد أحد جنرالات البنتاجون الامريكي (على غرار محق البنيتين العراقيتين) , وحيث كانت معلومات بلغت العاصمة البريطانية والفرنسية قبل عودة المبعوثين العربي والأمريكي من مهمتيهما المكوكيتين, أكدت استنادا الى تقريرين استخباريين يوناني وألماني ان 150 طائرة تركية في قواعد جوية ثلاث في جنوب البلاد قرب الحدود السورية تستعد هي الاخرى لشن هجوم واسع على سوريا يكون موازيا للهجوم الاطلسي على صربيا وتحت غطائه العسكري الفضفاض. ونسب التقرير الألماني الى مصادر عسكرية في تل ابيب قولها ان سلاحي الجو والصواريخ الاسرائيليين وضعا في حالة استنفار ابتداء من ليل الاحد الماضي بعد تأكيدات من أنقرة لقيادة الجيش العبري ان القوات المسلحة التركية وسلاحها الجوي استكملت حشودها وجاهزيتها للبدء (بالعمليات الجوية المرسومة ضد سوريا) , دون تحديد لموعد, الا ان هذه التأكيدات أوحت للاسرائيليين بأن (الهجوم بات قريبا جدا) . وقد تكون ــ حسب مراقبين سياسيين وعسكريين بريطانيين ــ هذه التقارير المنطلقة من أثينا وبون وتل ابيب (عمليات تسريب) تركية للبلوغ بضغوط أنقرة على دمشق ذروة التهويل بالحرب للحصول على تعهدات سورية تتلاقى والمطالب التركية التي بدا بعضها تعجيزيا. في الوقت الذي كان فيه وزير الخارجية المصري يهم بركوب طائرته من القاهرة الى أنقرة حاملا ردود دمشق على وساطة رئيسه حسني مبارك الاسبوع الماضي التي كان نقلها الى العاصمة المصرية قبل يومين من ذلك وزير الخارجية السوري فاروق الشرع. وكشفت مصادر دبلوماسية فرنسية في باريس النقاب عن انه في الوقت الذي كان فيه المبعوث الامريكي هولبروك ينقل الى (منظمة الأمن والتعاون الأوروبي) في بروكسل تراجع الرئيس اليوغسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش (المفاجىء في اللحظة الأخيرة) عن تصلبه, واعلانه له الرضوخ لقرارات مجلس الأمن الداعية الى (انهاء العنف في كوسوفو, وسحب قواته ورجال شرطته منها, واعادة المهجرين منها الى منازلهم, ومن ثم قبوله بانزال 1500 مراقب عسكري دولي فيها لمراقبة آلية تنفيذ هذه القرارات) , كان المبعوث المصري عمرو موسى بدوره أبلغ الرئيس التركي سليمان ديميريل ووزير خارجيته اسماعيل جيم بالرد السوري على النقاط التركية الست التي حملها مبارك الى الرئيس الأسد الاسبوع الماضي من أنقرة. وقالت المصادر الفرنسية, نسبة الى أوساط تركية رسمية ان الرد السوري الذي وصفه ديميريل بأنه (رسالة ملموسة تستحق الاهتمام) , ثم قول وزير خارجيته جيم ان تركيا (تنظر بشكل ايجابي الى رسالة الرئيس السوري حافظ الاسد لكنها ستنتظر تحول الاقوال الى افعال) , وافق (الرد السوري) على المطالب التركية, خصوصا بالنسبة للنقاط الاساسية, سبب الازمة الراهنة, وهي قضية حزب العمال الكردستاني, مقارنا تلك الموافقة بشروط مضادة لكنها (غير مؤذية ولا مثيرة للاتراك) , هي: الدخول في مفاوضات جدية لاقتسام مياه الفرات, والتوصل الى اتفاق نهائي بدلا من الاتفاق المرحلي للعام 1987 (حول قضية المياه), واستئناف اجتماعات اللجان الثنائية بين البلدين في المجالات الامنية والسياسية والمائية (التي كانت تركيا جمدتها منذ مطلع العام الفائت). وعلى الرغم من كل العنجهيات والتهديدات والضغوط العسكرية التي مارستها أنقرة وجنرالاتها الأكثر تطرفا وتصلبا من جنرالات حليفتهم اسرائيل, الا ان الحقيقة التي لا يمكن لهؤلاء اخفاؤها هي ان سياسة النفس الطويل السورية الذكية أمنت لدمشق في هذه الازمة التي بدت لوهلة أولى عصية الحل, مطلبها الاساسي وشروطها الرئيسية وهي قضية اقتسام عادل لمياه الفرات وتحولت قضية حزب العمال الكردستاني الى (فزاعة) لأحد اخطر الانظمة العسكرية لا في الشرق الاوسط فحسب, بل في العالم قاطبة, استطاع (البعبع والفزاعة) اليوم اعطاء المردود المتوخى منهما بعد سنوات طويلة من الصراع المرير والتصلب التركي الأكثر مرارة حول قضية المياه المتنازع عليها, وذلك بلا اي اضرار تذكر لسوريا, حيث ان بانتفاء ازمة المياه هذه تنتفي الحاجة الى أوجلان وحزبه وأي أوجلان آخر. لندن ـ باريس ـ حميد غريافي