يجمع الكثير من المراقبين على امتداد العالم على التحذير من أنه وبعد انتهاء المناقشات التي شهدتها في واشنطن مؤخرا الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين, تبرز هوة حقيقية بين المشكلات الاقتصادية والمالية الخطيرة التي يواجهها النظام المالي الدولي والمقترحات المطروحة لمواجهة هذه المشكلات . وهم يشيرون في هذا الصدد الى انه بعد الطروحات العديدة التي طرحها مندوبو أكثر من 182 دولة عضو في صندوق النقد الدولي خلال مناقشات واشنطن, فانه ما من اجابة واضحة تمت بلورتها حول السؤال الاكثر صعوبة, وهو: الى أين من هنا؟ ويكتنف الغموض في التعامل مع هذا السؤال مناخ من التشاؤم يفرض حضوره بقوة, في العديد من دول آسيا بصفة خاصة, حول قدرة صندوق النقد والبنك الدوليين على انتشال الدول الآسيوية المتضررة من أسوأ ركود عرفته على امتداد نصف قرن. واذا كانت مناقشات واشنطن قد بلورت جوهر الازمة التي يواجهها النظام الاقتصادي العالمي في أن هذا النظام قد أصبح عرضة للأزمات بسبب النطاق الهائل لتدفقات رؤوس الاموال في البيئة الاقتصادية الراهنة, بحسب تعبير ستانلي فيشر نائب رئيس صندوق النقد الدولي, فإن المطروح الآن هو بوضوح ما الذي ستفعله المؤسسات الدولية لمعالجة المشكلة التي تم تحديدها على هذا النحو؟ ويلخص ستيفن فيدلر الكاتب في (الفانيانشينال تايمز) الاجتهادات في الاجابة على هذا السؤال بالقول ان هناك نوعين من الحلول يدوران حول ايجاد مضمار جديد للنظام المالي الدولي. وهو يوضح ان الفئة الاولى من الحلول تدور حول مواجهة الأزمة الراهنة, اما الفئة الثانية فتدور حول احلال نظام جديد اقل عرضة للازمات محل النظام الراهن بعد التغلب على الازمة المالية. وهناك اتفاق بين الكثير من المحللين على المقترحات التي تندرج في الفئة الثانية, ومنها المزيد من الشفافية عبر توافر معلومات افضل وقيام الحكومات, والمصارف وصندوق النقد نفسه بتوفير معلومات افضل وتوفير معايير ادق للمحاسبة بما في ذلك معايير ثابتة لحالات الافلاس على سبيل المثال والمزيد من التواؤم مع الانظمة الرأسمالية التي تتعامل معها البنوك في الدول الغنية والفقيرة على السواء. وتتعدد المقترحات في هذا المجال بلا انتهاء.. ولكن ثلاث حقائق اساسية تبرز من خلال العجز عن التعامل مع الازمة العالمية الراهنة وهي: اولا: ان حجم تدفقات رأس المال الدولي الخاص بلغ من الضخامة حداً يعجز معه القطاع الرسمي عن توفير موارد كافية تكفل له احتواء الموقف. ثانيا: ما من حل يمكن ايجاده للأزمة في آسيا أو روسيا أو اي مكان آخر دون تخفيض لعبء الدين الهائل بها. ثالثا: القطاع الرسمي بما في ذلك صندوق النقد والبنك الدوليين صممت آليات عملة لابداء رد الفعل على الأزمات وليس للحيلوله دون قيامها اصلا. مرة اخرى يبرز السؤال من منظور دول مناطق التأزم.. ما العمل بالضبط الآن؟.. الى أين من هنا؟ وللاجابة على مثل هذه النوعية من الأسئلة من المهم الأخذ في الاعتبار بمجموعة من الحقائق أبرزها ما يلي: - يشدد المسؤولون الآسيويون على ضرورة تحقيق تعاون أكبر لمراقبة أسواق المال. - ويطالب الكثيرون بتوفير شكل من أشكال أنظمة الانذار المبكر لرصد الازمات الاقتصادية. - يدعو الاقتصاديون الآسيويون الى آليات تكلف تبني نوع من القيود على تدفقات رؤوس الأموال المتقلبة. - يؤكد عدد من المحللين ان من المحتم ايلاء اهتمام أكبر لمستقبل المجتمع المالي الدولي وللادارة المنظمة للمشكلات المالية الدولية. - ترتفع أصوات عديدة بضرورة توصل صندوق النقد الدولي لطرق فعالة للاشراف على الآلاف من صناديق التحوط التي أثارت فوضى في العالم المالي مؤخرا. وتتعدد الاقتراحات, ويصل بعضها الى حد المطالبة بانشاء جهاز بديل لصندوق النقد الدولي, والغاء هذا الأخير وتمتع الجهاز الجديد بأرصدة أكبر من الأرصدة الحالية للصندوق والبالغة 193 مليار دولار. وأياً كان مصير مستقبل هذه الاقتراحات فإن هناك أربعة انتقادات تبرز بقوة في مواجهة صندوق النقد الدولي وآليات عمله, من جانب المجموعة الآسيوية, وهي: - ان الصندوق يتبنى ما يمكن وصفه بنظرة عالمية تركز على الغرب. - انه ينحاز بقوة للولايات المتحدة. - انه لايتفهم مدى عمق المشكلات الآسيوية وطبيعتها. - ان الولايات المتحدة باعتبارها المساهم الكبير في الصندوق تبدي اهتماما أكبر بالأوضاع المالية في أمريكا اللاتينية منها بمشكلات آسيا. ويبقى ان نشير أخيرا الى انه من المؤكد ان مناقشات واشنطن قد تميزت بالثراء, ولكن العالم يتطلع الآن الى خطوات عملية فعالة من قلب هذه المناقشات لمعالجة مشكلات تتسم في المقام الأول بعدم قابليتها للتأجيل في حزام يمتد من آسيا الى روسيا ثم أمريكا اللاتينية, ويهدد بالاتساع مع شروق شمس كل يوم جديد. كتب - المحرر الاقتصادي