اغلقت تركيا امس باب الحوار لإنهاء التصعيد الحالي في علاقاتها مع سوريا بإعلان رئيسها سليمان ديميريل برفضه لأسلوب الحوار الذي تدعو له دمشق, ووسع دائرة العداء لتشمل كافة الدول العربية بتوجيه انتقادات شديدة لها, مستبقا بذلك وصول الرئيس المصري حسني مبارك غدا الثلاثاء إلى انقرة لاستكمال وساطته بعد لقائه في دمشق امس مع الرئيس السوري حافظ الأسد . كما وجه ديميريل تهديدات جديدة لسوريا وتم وضع الجيش التركي على الحدود في حالة استنفار تام وصولا إلى قمة التصعيد الذي وصفه وزير الخارجية السوري فاروق الشرع بأنه نتاج شهر العسل الاسرائيلي التركي. وقال ديميريل في تصريحات في انقرة الليلة الماضية ان تركيا (فعلت كل ما تستطيع ان تفعله مع سوريا ولن يكون هناك أي شيء جديد في الموقف التركي) . وطالب في تصريحاته التي اعلن فيها عن وصول مبارك إلى انقرة غدا الثلاثاء الزعماء العرب بالضغط على سوريا للتخلي عما اسماه بسياساتها المعادية لتركيا, وحملهم مسؤولية تشجيع سوريا في سياساتها ازاء انقرة. وقال (ان الزعماء العرب الذين يقفون إلى جانب سوريا بحجة التضامن العربي عليهم ان يعرفوا جيدا) معتبرا ان موقف سوريا لا يليق بالاسلام والاخوة والجوار, وقال ان الصبر التركي على وشك ان ينفد. وكرر ديميريل اتهاماته لسوريا بأنها تدعم حزب العمال الكردي المحظور وقال انه (اثناء زيارته لسوريا عام 1993 اعطى الرئيس السوري حافظ الاسد ورقة فيها عنوان عبدالله اوجلان زعيم الحزب ووضعها الرئيس الاسد في جيبه دون ان يرد عليها) . وكان ديميريل قد وصف في بداية تصريحاته الرئيس المصري بأنه صديق لتركيا, معربا عن ثقته في ان مبارك سيتفهم الموقف التركي ان لم تكن هناك اي صعوبة في الحوار بين الطرفين. وقال انه قد شرح لمعظم الزعماء العرب تفاصيل الموقف التركي. واضاف ان التهديدات الاخيرة التي صدرت عنه وعن المسؤولين السياسيين والعسكريين قد جاءت في اطار سياسة الدولة التركية. واستمر ديميريل في توجيه التهديدات إلى سوريا واكد ان الدولة التركية على مقدرة لاتخاذ كافة التدابير الجدية واللازمة في هذا الموضوع. وتطرق ديميريل لموضوع الدولة الكردية في شمال العراق وقال ان الولايات المتحدة وعلى جميع المستويات عبرت لانقرة عن موقفها في هذا الشأن ووصف امريكا بأنها دولة مهمة جدا بالنسبة لتركيا. وفي وقت سابق صعد الرئيس التركي من لهجته ضد دمشق قائلا ان بلاده لن تبدي اية مرونة تجاهها ولن تغير سياستها ازاء سوريا مكررا اتهاماته لها باتباع سياسة معادية لبلاده. واعتبر ديميريل ان تركيا في موقف دفاعي ضد سوريا محذرا اياها بضرورة التوقف عن دعم حزب العمال, وقال انني لا احذر سوريا فقط بل احذر العالم بأسره بأن تركيا لن تسمح بعد الان بالدعم الذي يقدم للانفصاليين, وقال ان الاتراك عانوا لسنوات طويلة ولا يريدون الاستمرار في المعاناة أكثر من ذلك, واضاف ان الكل يعرف ان لدينا تحفظات جدية حيال الارهاب الذي يشنه الانفصاليون مشيرا إلى ان الاكراد كبدوا تركيا آلاف القتلى. وتوقعت صحيفة (ميليت) ان تحصل انقرة على موافقة واشنطن على ضرب سوريا بحجة ان ذلك سيكون مماثلا للضربة الامريكية للسودان وافغانستان, كما توقعت سحب الطاقم الدبلوماسي من السفارة التركية بدمشق خلال الايام المقبلة. ومن جانبه, زعم بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الاسرائىلي انه لا دخل لاسرائيل بتصعيد التوتر بين سوريا وتركيا, وقال ان اسرائيل اتخذت خطوات لاشعار دمشق وطمأنتها بعدم تدخلها في هذا التوتر حيث تم تخفيف الدوريات والطلعات الجوية الاسرائىلية باتجاه سوريا, واضاف ان اسرائيل لن تستغل ما يحدث لتغيير الوضع على الحدود مع سوريا. وقال انه يأمل ان تحل الازمة بين الجانبين بالوسائل السلمية وباستخدام القنوات الدبلوماسية. وسط انتقادات من المعارضة التركية لموقف الحكومة الذي اعتبرته تانسو تشيللر رئيسة الوزراء السابقة ضعيفا, قال بولنت اجاويد نائب رئيس وزراء تركيا ان بلاده تريد التوصل إلى حل سلمي لنزاعها مع سوريا. ونقلت وكالة الاناضول التركية للانباء عن اجاويد قوله ان تركيا تعمل من اجل حل كل مشاكلها مع سوريا من خلال الطرق السلمية والقنوات الدبلوماسية, لكن تركيا لن تقدم حتى ابسط التنازلات فيما يتعلق بحقوقها وامنها. واشارت المصادر الى ان دمشق ـ التي غادرها الرئيس المصري امس عائدا للقاهرة بعد زيارة استغرقت عدة ساعات ــ تسعى لعدم تصعيد الموقف وقبلت الوساطة المصرية كاملة لاحتواء التداعيات المحتملة في منطقة الشرق الاوسط اذا ما انتهى الامر الى نزاع مسلح. وارجعت المصادر ارجاء الرئيس مبارك زيارته الى تركيا الى بعد غد لارتباطاته باحتفالات اليوبيل الفضي لحرب اكتوبر, وفي الوقت نفسه وجود الرئيس التركي خارج انقرة. وفي غضون ذلك اعلنت القوات التركية على الحدود مع سوريا حالة الاستنفار التام. كما تم نقل العديد من وحدات الكوماندوز والطائرات المقاتلة من المناطق الداخلية الى القواعد التركية القريبة من الحدود مع سوريا. ونصبت فيها القيادة العسكرية التركية الكثير من ابراج المراقبة المجهزة بأحدث المعدات والاجهزة لرصد تحركات الجيش السوري... بجانب تحليق الطائرات العسكرية التركية في المنطقة. وقالت صحيفة (صباح) اليومية انه تم الغاء جميع الاجازات المقررة للجنود كما طلب من الذين في اجازات العودة الى وحداتهم. ومن جانبها ذكرت صحيفة (ميليت) انه تم ارسال وحدات اضافية من مقاطعة ديار بكر في جنوب شرق البلاد الى المنطقة الحدودية. وذكرت صحيفة (حريات) أن جهاز الاستخبارات التركي عثر على عنوان المكان الذي يقيم به عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني المحظور وعلى أرقامه الهاتفية. وذكر التقرير أن سوريا التي تنفي بدورها اتهامات انقرة لها بايواء اوجلان قد قالت لتركيا ان أشخاصا آخرين يسكنون في العنوان المذكور. ووفقا للصحيفة فإن أوجلان عبر عن قلقه إزاء العملية العسكرية التركية المحتملة الذي يقول انها موجهة ضده. ونقلت الصحيفة عن زعيم الحزب ما جاء في تصريحاته التي أدلى بها لمحطة تلفزيون ميد تي- في الكردية التي تتخذ من أوروبا مركزا لها والتي قال فيها إن (العدو (تركيا) يملك قوة عسكرية هائلة وإذا عرفوا مكان وجودنا سيقصفوننا بالطائرات) . وفي تصريحات لعمرو موسى وزير الخارجية المصري ونظيره السوري فاروق الشرع عقب محادثات الاسد ومبارك, قال موسى ان الرئيس المصري طالب بضرورة الحوار بين الدولتين الجارتين سوريا وتركيا من منطلق حسن الجوار... ومن منطلق التفاهم على معالجة مختلف القضايا. وقال ان المباحثات تركزت على موضوع واحد هو المشكلة القائمة بين سوريا وتركيا. وقال أن الرئيس مبارك عبر عن الموقف المصري من مثل هذه المشاكل التي تثور بين اي دولتين يجب ان تحل عن طريق الحوار والنقاش والاتصالات وليس عن طريق القوه العسكرية او التهديد بها. واشار الى انه تم التفاهم بين الجانبين المصري والسوري بشكل بناء يأخذ في الاعتبار مصالح الدولتين الجارتين. وأكد وزير الخارجية المصري ان الموقف العربي المتضامن مع سوريا لايكن عداء لتركيا وحذر من ان هذه التوترات يمكن ان تؤدي الى الاساءة في العلاقات بالمنطقة. وأعرب عن أمله في ان يتم احتواء هذه الازمة حتى تستمر العلاقات الطيبة في مجمل دول الشرق الاوسط. ومن جانبه اكد الشرع ان هناك اتفاقا فى وجهات النظرالمصرية والسورية حول خطورة الوضع ومعالجته عبرالحوارالدبلوماسى وليس عبر المواجهة والتهديدات. واوضح ان هناك رفضا سوريا لتلك التهديدات مشيرا الى الموقف العربي المتضامن مع سوريا وان العرب يريدون حل المشاكل العالقة بين تركيا وسوريا بالحوار وليس عبر وسائل اخرى. وقال اننا نحن فى سوريا نشعر باستغراب لهذه التصريحات الصادرة من كبار المسؤولين العسكريين والسياسيين الاتراك فى الايام الاخيرة. واكد (ان اشقاءنا فى مصر كانوا متفهمين جدا لهذا الوضع) . واعرب عن امله في ان تثمر جهود الرئيس مبارك التي سيقوم بها في تركيا. وردا على سؤال بشأن العلاقات التركية الاسرائيلية وان ما يجري هو نتاج شهر عسل بين الجانبين... اكد الشرع ان هناك دقة في توصيف هذا الوضع. بشأن الدعوات السورية المتكررة واستعدادها للحوار مع تركيا وعدم وجود صدى تركي لتلك الدعوات. اسطنبول ــ بشار فهمي -القاهرة ــ أحمد رجب