لا يتردد بعض المراقبين الاقتصاديين في وصف الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين, التي بدأت أمس في واشنطن, بأنها (ضجة بلا طائل) . لكن فريقا كبيرا من المحللين يقولون ان هذه الصفة التي تستدعي عنوان مسرحية شكسبير الشهيرة لا موضع لاطلاقها على هذه الاجتماعات, على الأقل هذا العام . ويعكس هذا التصور الأخير الذي يتبناه الكثير من المحللين الاقتصاديين, الحقيقة المتمثلة في ان اللجان الفرعية التي بدأت عملها بالفعل للاعداد للاجتماعات الرسمية التي ستبدأ الثلاثاء المقبل, تعكف على مناقشة النداء الذي أطلقه الرئيس الامريكي بيل كلينتون مؤخرا لايجاد آلية عمل يمكن من خلالها للدول الغنية المبادرة بانشاء صندوق طوارىء تستخدم حصيلته لمساعدة الدول الأكثر تضررا بالأزمة الاقتصادية التي تجتاح العالم والتي وصفها الرئيس الامريكي بأنها التحدي الأكثر خطورة منذ 50 عاما. ولكن ما هو جوهر هذه الفكرة الأمريكية بالضبط؟ يقول ستيفن فيدلر ونانسي دون المحللان بصحيفة (الفايننشال تايمز) ان الفكرة الأمريكية تقوم على ايجاد آلية عمل, تحت سقف صندوق النقد الدولي, لتقديم أرصدة لمواجهة الظروف الطارئة التي قد تتعرض لها دول العالم من جراء استمرار التأثيرات الناجمة عن الأزمة الآسيوية. ويوضح الكاتبان ان الفكرة الامريكية برزت من قلب المناقشات التي اجريت في واشنطن حول مساعدة امريكية شاملة للبرازيل التي تثور المخاوف عن انها قد تصبح الضحية التالية للازمة الاقتصادية العالمية. والمشكلة الحقيقية هي انه ليس من الواضح حتى الان, ما اذا كانت فكرة كلينتون ستحظى بالحماس من جانب الكونجرس. وفي غضون ذلك لا يتردد المحلل الاقتصادي الامريكي روبرت كوتي في واشنطن في القول ان الايام القليلة المقبلة ستشهد اجتماعات الدول السبع الكبرى ومجموعة الدول العشر ومجموعة الدول الاثنتين والعشرين ومجموعة الدول الاربع والعشرين بالاضافة الى العديد من اجتماعات وزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية من اكثر من 180 دولة. وعلى اجندات هذه الاجتماعات موضوعات لا حصر لها, ويفوق تعقيدها تصور الكثير, لكن ربما كان في مقدمتها اقتراب اطلاق العملة الاوروبية الموحدة, وادماج الاسواق الناشئة في آليات الاقتصاد العالمي وهياكله, في مناخ تهيمن عليه اجواء الازمة الاقتصادية العالمية. ويلاحظ روبرت كوتي ان من المدهش ان جانبا من كافة اجتماعات واشنطن يهدر في التنافس الخفي بين مجموعة الـ 22 دولة ومجموعة الدول العشر, ويقول ان حماس امريكا للمجموعة الاولى يعكس عدم رضاها عن هيكل المجموعة الثانية التي تتألف ـ على الرغم من اسمها ـ من احدى عشرة دولة منها ثماني دول اوروبية. ولكن هذا الحماس الامريكي لم يحل دون ان يحذر مايكل كامديسو مدير صندوق النقد الدولي من ان من الخطورة بمكان ان يتم النظر الى مجموعة الدول الـ 22 باعتبارها تمثل بديلا للجنة المؤقتة المؤلفة من وزراء يشرفون على انطلاق صندوق النقد الدولي. وهكذا فانه في اجواء هذا الصراع الخفي الذي يدور في الاجتماعات التي تعقد في المباني العشر التي يحتلها الصندوق والبنك الدوليان في الجادة التاسعة عشرة في واشنطن قد تغيب القضايا الملحة والضاغطة المتعلقة بالازمة الاسيوية وجهود اصلاح القطاع المصرفي الياباني وجهود احتواء انهيار الاقتصاد الروسي ومنع امتداد الازمة العالمية الى امريكا اللاتينية. وتبقى اجتماعات واشنطن ضجة صاخبة حقا, لكن الخشية الحقيقية هي ان تكون ضجة بلا طائل وان تترك القضايا الطاحنة الممتدة من اسيا الى امريكا اللاتينية معلقة من دون حلول حقيقية.