تعهدت سوريا على لسان رئيس وزرائها محمود الزعبي بالتصدي بقوة لأي عدوان تركي عليها, حيث بدأ الشارع يعيش أجواء حرب مرتقبة, في وقت واصلت انقرة قرع طبول الحرب, مسربة تقارير عن ضربة جوية ضد مواقع في سوريا وفي سهل البقاع اللبناني , وعن وضع القوات الجوية في حال تأهب قصوى, بينما تحدث قائد الجيش التركي عن (حرب غير معلنة) مع سوريا. واطلق المسؤولون الاتراك حملة تصريحات متزامنة عن قوة بلادهم المزعومة, حيث قال نائب رئيس الوزراء بولنت اجاويد ان تركيا ليس لديها القوة الكافية للرد على سوريا بينما زعم قائد القوات البرية بأن تركيا تمتلك القوة الكافية للرد على سوريا. وفيما استبعد دبلوماسيون غربيون عملا عكسريا فوريا من جانب تركيا ضد سوريا, فانهم توقعوا حصول ضربات محدودة في وقت لاحق, في حين اطلق الاردن حملة وساطة بين الجانبين بهدف منع اندلاع حرب. فقد اعلن رئيس الوزراء السوري محمود الزعبي أن بلاده ستتصدى بحزم لأي عدوان تركي عليها, وأبلغ الزعبي اجتماعا طارئا لحزب البعث الحاكم ان سوريا لن ترهبها التهديدات وستتصدى لأي عدوان. وقد بدأ الشارع السوري يعيش اجواء حرب متوقعة. واتهمت الصحف السورية اسرائيل بالوقوف وراء التهديدات التي يطلقها المسؤولون الاتراك الذين يصرون على خلق مشكلة غير موجودة بالأصل. واكدت اذاعة دمشق في تعليقها السياسي ان سوريا قادرة على الدفاع عن نفسها ضد التهديدات التركية ودعت حكومة انقرة لحوار جدي لحل اية مشاكل يمكن ان توجد بين البلدين. وجددت الاذاعة التي تعكس وجهة النظر الرسمية نفي دمشق دعم حزب العمال الكردستاني وقالت (سوريا ليست ضيعة وهي قادرة على الدفاع عن نفسها) . وكتبت صحيفة (البعث) الناطقة بلسان الحزب الحاكم ان الموقف التركي الرسمي (هو نتيجة تفاهم وتنسيق تم بين انقرة وتل ابيب وفق بروتوكول التحالف بينهما) . واضافت (بتنا نلمس اصرار الحكومة التركية على ان تخلق مشكلة مع سوريا هي غير موجودة في الاصل لكن كل ذلك يجري تنفيذاً لرغبات اسرائيل ليس الا) . وقالت صحيفة الثورة الرسمية ان (النظام التركي آثر علاقات التحالف المشبوه مع اسرائيل على علاقاته الطبيعية مع الجوار العربي والاسلامي وبدأ يكيل التهم الكاذبة لسوريا ويوجه لها التهديدات في اطار استهدافات تحالفه مع اسرائيل والتي تتمحور حول تفتيت وحدة المنطقة) . وذكرت الثورة (ان مصلحة الشعب التركي وحتى النظام التركي ليست في علاقات تحالفية تقام مع اسرائيل وتستعدي كل العرب والمسلمين ودولا عديدة في العالم ضد تركيا.. بل في علاقات صحيحة يقيمها النظام التركي مع الجوار العربي والاسلامي تستند الى لغة الحوار والمصالح المتبادلة لا الى لغة التهديد والوعيد وسياسة الاستفزاز وكل ما يخدم اسرائيل ونهجها المعادي للسلام) . وفي أنقرة, كانت طبول الحرب تقرع بعنف, اذ اعلن قائد القوات المسلحة التركية ان البلاد في حالة حرب غير معلنة مع سوريا. ونقلت صحيفة (صباح) اليومية عن الجنرال حسين كيفريك اوغلو قوله (توجد حالة حرب غير معلنة بيننا وبين سوريا. نحاول ان نتحلى بالصبر ولكن لذلك حدود) . وأضاف الجنرال اوغلو ان تركيا ستعمل مرة اخرى على الحل الدبلوماسي غير انه اوضح ان تركيا ستلجأ الى ما اسماه (تدابير أخرى) معتبرا ان الاتحاد السوفييتي الذي يحمي سوريا بات غير موجود. وذكرت الصحيفة التركية انه وسط هذه الاجواء المحمومة والتحذير الشديد اللهجة الذي وجهه الرئيس التركي سليمان ديميريل امس لسوريا بخصوص ما يدعى عن تأييدها لحزب العمال الكردستاني.. فقد عقد كبار قادة القوات المسلحة التركية سلسلة اجتماعات امس شارك فيها رئيس الاركان لتقييم مجمل الوضع بالنسبة لهذا الموضوع الحساس. وذكرت صحيفة (حريت) ان اجتماعات كبار القادة العسكريين امس انتهت الى ضرورة ان تكون القوات المسلحة مستعدة لاية خيارات قد يتطلبها الامر بالنسبة لتطور الازمة الحالية مع سوريا. وقالت الصحيفة ان تعليمات قد صدرت بالفعل للقواعد الجوية التركية في كل من مالاطيا وديار بكر بجنوب شرقي تركيا لرفع درجة الاستعداد الى المستوى الذي يقل مباشرة عن درجة الاستعداد القصوى وذلك وسط كثافة ملحوظة للتحليق الجوي التركي بالقرب من مناطق الحدود السورية. واضافت المصادر انه بدأ العمل على اتخاذ تدابير وقائية ضد احتمال قيام اليونان بتقديم مساعدة الى سوريا في حال تصاعد التوتر بين تركيا وسوريا. وأوضحت الصحيفة القريبة من اجهزة الامن ان الجنرالات اقترحوا شن هجوم محدود على سوريا مشابه للعمليات المعتادة التي يقوم بها الجيش التركي في شمال العراق الذي يسيطر عليه الاكراد. لكن الصحيفة قالت ان الامر المحتمل هو توجيه ضربة جوية ضد ما تدعي انقرة بأنه معسكرات تابعة لحزب العمال الكردستاني الانفصالي المحظور في الأراضي السورية, وقالت وكالة رويتر ان مسؤولين اتراكا اقترحوا شن هجمات جوية على سهل البقاع الذي توجد به قوات سورية حيث تزعم انقرة ان حزب العمال الكردستاني يدرب ثوارا هناك للقتال من اجل انشاء مناطق حكم ذاتي للاكراد في جنوب شرق تركيا. بيد ان وزير الدفاع التركي قال ان القيام بعمل عسكري ضد سوريا امر غير مطروح حالياً ونقلت وكالة انباء الاناضول التركية الرسمية عن عصمت سيزجين قوله (التدخل امر غير مطروح) . وحث سيزجين على التوصل الى حل دبلوماسي للخلاف. وقال (كنا نعتقد انه يمكن حله عن طريق القنوات الدبلوماسية وما زلنا نعتقد ذلك, ولكن الصبر والتحمل لهما حدود) . وتابع (اذا استمروا في الاضرار بنا بهذا الشكل فإنه من الطبيعي ان تستنفد الدبلوماسية وسائلها وتحل محلها وسائل اخرى) . وفي ذات السياق قال نائب رئيس الوزراء التركي بولنت اجاويد ان الحرب هي الخيار الاخير مع سوريا, لكنه زعم انه ليس لدى سوريا القوة الكافية للرد على تركيا (حسب تعبيره) . وعلى المستوى العسكري صرح قائد القوات البرية الجنرال اتيلا أتيش بأن تركيا تمتلك القوة الكافية للرد على سوريا. وكررت اذاعة شبكات التليفزيون الخاصة التركية والصحف لتفصيلات الميزان العسكري بين تركيا واسرائيل في محاولة للايحاء بقوة تركيا. وفي ذات السياق قال دبلوماسيون غربيون انه على الرغم من الجنرالات الذين يتحدثون بلهجة صارمة والتصريحات المماثلة التي ادلى بها الرئيس التركي فلا يوجد احتمال يذكر لقيام تركيا العضو في حلف شمال الاطلسي بعمل عسكري فوري ضد سوريا. بيد ان مراقبين غربيين قالوا ان من المحتمل بشكل أكبر ان يكون استعراض القوة هذا للاعداد لضربات محدودة بشكل اكبر في وقت لاحق. وقال دبلوماسي غربي (هذا يتمشى بشكل اكبر مع تمهيد الطريق امام قول الرأي العام الدولي انه توجد مشكلة تأخذها تركيا بشكل جاد جداً. ربما يمهدون الطريق امام عمل اكثر خطورة في وقت لاحق. (ان الامر لا يبدو كما لو انهم سيعبرون الحدود قريباً او اي شيء) . وتعتبر تركيا الهجمات الصاروخية التي شنتها الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة على مواقع في السودان وافغانستان بعد تفجير سفارتي الولايات المتحدة في تنزانيا وكينيا سابقة لشن هجمات من جانبها على ما تعتقد انها معسكرات لحزب العمال الكردستاني في سوريا. وقال الدبلوماسي (ربما اصبح لديهم سابقة قوية بعد ما فعلته الولايات المتحدة) . وصرح دبلوماسي غربي آخر ان واشنطن المؤيد الرئيسي لتركيا لن توافق على شن تركيا هجوما على سوريا بسبب التأثير السلبي الذي سيتركه ذلك على عملية السلام التي ترعاها الولايات المتحدة في الشرق الاوسط. وقال (هذه ستكون نهاية المسار السوري فوراً) . وفي عمان, قالت مصادر اردنية رفيعة المستوى ان هناك اتصالات اردنية مع تركيا في محاولة لنزع فتيل الازمة مع سوريا. ويقول سياسيون مقربون من القصر الملكي في عمان ان الاردن اجرى خلال اليومين الماضيين عدة اتصالات مع تركيا لاستجلاء صورة الموقف, وفي محاولة لحث تركيا على عدم اللجوء الى القوة فعليا. وتقول المصادر ان مسؤوليين سوريين اجروا اتصالات مع عدة عواصم عربية بهدف حثها على منع الحرب مع تركيا في هذا التوقيت تحديدا, كما بات متوقعا ان يصل مسؤولون سوريون الى العواصم العربية خلال الايام القليلة المقبلة لشرح وجهة النظر السورية ازاء التصرفات التركية المتضمنة التلويح بالحرب والتحكم بحصة سوريا من مياه الفرات وقضايا ذات طابع أمني وعسكري.