آن الأوان لكي يخفض المجلس الاحتياطي الفدرالي سعر الفائدة بل ان المجلس في الحقيقة تأخر في الاقدام على هذه الخطوة . ولا شك ان رئيس المجلس الفدرالي آلان جرينسبان يباهي بسمعة متألقة ولا غرو في ذلك فإليه يعزى جل الفضل في هذه السنوات السبع الرغيدة من التوسع الاقتصادي, الا ان مجلس جرينسبان الفدرالي ربما طابت له تلك الوصفة الناجحة فارتضاها واستمرأها ولبث دهرا لا يحيد عنها. لقد واصل المجلس كفاحه على جبهة التضخم حتى استتب له الامر في هذا الجانب الا ان خطرا اكبر من ذلك كان احرى بأن تجند لدرئه طاقات المجلس فالولايات المتحدة يتهددها كابوس الانزلاق الى ركود يتحول معه هذا الهبوط الذي هد قوى آسيا, وهاهو قد يمم شطر امريكا اللاتينية وبدأت طلائع زحفه تلوح هناك, الى كساد عالمي بأبعاد كارثية. لقد وقع المجلس منذ تأسيسه عام 1913 في بعض الاخطاء الفادحة. ففي حقبة الثلاثينات اخفق في الحيلولة دون تداعيات امواج الذعر في القطاع المصرفي التي قادت في النهاية الى الكساد الكبير. وتبنى المجلس خلال الستينات والسبعينات سياسات متساهلة في التمويل سعيا وراء نمو اقتصادي بوتائر اسرع, ذاك النمو الذي تمخض عنه تفاقم التضخم لترتفع معدلاته الى رقمين عشريين. وان كان هناك في الفترة الحالية انهيار اقتصادي يلوح شبحه في الافق فإن الاخفاق في خفض معدلات الفائدة يتهدد اقتصاد العالم بنفس تلك الدرجة. ويبدو ان جرينسبان يستشعر هذا, ففي مستهل حديث له يوم الرابع من سبتمبر لمح الى ان المجلس سوف يخفض المعدلات. وينبغي عليه القيام بهذه الخطوة يوم الثلاثاء عندما ينعقد مجلس اكبر هيئات رسم السياسة لديه (وهي لجنة السوق الفدرالي المفتوح) والمجلس الاحتياطي انما يتحكم بواحد فقط من معدلات الفائدة الرئيسية وهو معدل التمويل الفدرالي بالنسبة للقروض العاجلة بين البنوك والتي لا يتجاوز امدها ليلة واحدة. ومنذ شهر مارس 1997 كان معدل ذاك التمويل 5.5% ولابد لاي خفض ذي مغزى ان يبلغ نصف نقطة مئوية ليصل الى 5%, ولن تنقذ هذه الخطوة بحد ذاتها الاقتصاد العالمي وما الذي يمكن ان يقدمه هذا التحرك بالنسبة للبرازيل او روسيا؟ ذاك هو السؤال الذي يطرحه الخبير الاقتصادي آلان ميلتزر من جامعة كارنيجي ميلون والاجابة (كما يقول: ليس بالشيء الكثير. ويصدق الامر ذاته بالنسبة لليابان وكوريا الجنوبية وكثير غيرهما من الاقتصاديات التي تعاني الاسقام. والاثر المحتمل لمثل هذا الخفض سوف يخمد حتى في الولايات المتحدة, ان من شأن خفض المعدلات ان يخفف من ثقل المديونية الاستهلاكية ومديونية الشركات محافظا بذلك على قوة الانفاق, ولنتأمل مثلا في رهنيات العقارات, اذ يقول الاقتصادي ديفيد ليريا من شركة مورتجيج بانكرز اسوسيشن بان هناك ما قيمته 2.2 تريليون دولار من رهنيات المعدل الثابت التي تصل الى 7.5% وربما اكثر, ويقول ليريا بان الناس عادة يقومون باعادة التمويل عندما يتمكنون من خفض معدلهم بنسبة نقطة مئوية واحدة او اكثر, وفي اواسط عام 1992 حامت معدلات الرهنيات حول نسبة 7% ثم انخفضت منذ ذلك الحين لما دون 6.7%, وادى ذلك الى انتعاش في عمليات اعادة التمويل, فإذا انخفضت المعدلات اكثر فإنه سوف يتم اعادة تمويل المزيد من الرهنيات, وسوف تهبط المدفوعات الشهرية في حين سوف ترتفع القدرة الشرائية. ولكن الى اي مدى يمكن لهذا ان يحدث؟ دعونا نفترض ان هناك ما قيمته تريليون دولار من الرهنيات تمت اعادة تمويلها على مدى ثمانية عشر شهرا مقبلة (سيكون ذلك رقما قياسيا), ولنفترض ان ملاك العقارات خفضوا معدلاتهم بنسبة نقطة مئوية واحدة (لنقل من 7.5 الى 6.5%), ان هذا يمثل وفرا يصل 10 مليارات دولار, مما يبدو في الظاهر انه مبلغ طائل, الا اننا حين نقيس الأمر على اقتصاد يبلغ حجمه 5.8 تريليونات دولار, فلن يبدو ذاك بالمبلغ الذي يمثل ثروة هائلة. ولعلنا نلمس جوهر السبب الحقيقي والدقيق الذي يملي على المجلس الاحتياطي التحرك بسرعة ودونما تلكؤ حين ندرك كم هي بطيئة وغير فعالة تلك الأداة الاقتصادية, ألا وهي معدلات الفائدة, في تأثيرها على الاقتصاد. من المسلم به أن الاقتصاد يتمتع بالقوة الآن, غير أن الأدلة توحي بأنه ربما لن يظل على مثل تلك القوة التي يبديها حالياً. لقد دأب الاقتصاديون على الدوام على التهوين من انعكاسات الأزمة المالية العالمية على اقتصاد الولايات المتحدة فالعجز التجاري آخذ بالتضخم بصورة متسارعة, كما تشهد الصادرات تباطؤاً وتشهد الواردات ارتفاعاً وهناك احتمال بأن تتقلص استثمارات الشركات. لقد تراجعت أسعار المواد الخام وهي مؤشر اقتصادي رئيسي والسبب الاكبر في هذا يكمن في الضعف الذي اعترى الطلب العالمي. ولقد هبطت الأسعار ما بين سبتمبر 1997 وسبتمبر من عام 1998 بنسبة 11% للذهب و19% لفول الصويا و11% بالنسبة لخشب الألواح. لقد انخفضت معدلات الفائدة طويلة الأجل لمستوى أدنى من المعدلات قصيرة الأمد, وتلك حالة نادرة يسميها الاقتصاديون (منحنى العائد المعكوس) وتبلغ معدلات سند الخزينة لأجل 30 سنة حوالي 1.5% حالياً, مقارنة بـ 5.5% لمعدل التمويل الفدرالي والمعدلات طويلة الأجل تتسم بأنها أعلى على الأغلب, مما يعكس جو القلق والمخاوف المتزايدة بشأن مستقبل التضخم وانخفاض هذه المعدلات ربما يرجح التوقعات بانخفاض التضخم, كما يمكن ان تكون نذيراً بركود وشيك او كليهما معاً. فهل هناك مخاطر في خفض المجلس الاحتياطي للمعدلات؟ هناك مخاطر بالطبع لذا نرى الاقتصادي ميلتزر الذي يعارض خفض المعدلات يتخوف من انه في أجواء ازدياد الطلب على العمالة فإن التضخم مرشح للارتفاع لا محالة. ويقول هذا الخبير بهذا الصدد: (إذا نحن ارتكبنا خطأ الإفراط في التساهل (في سياسة المال والتمويل)) . ويضيف ميلتزر:(سوف تتسارع وتيرة التضخم عام 1999. وفي اللحظة التي تبدأ فيها العالم بالانتعاش, عند ذاك بالضبط ينبغي ان نشد أرجلنا على المكابح (اي ان نرفع المعدلات)) . إن هذا أمر ممكن غير ان انزلاق الولايات المتحدة الى هوة الركود في الوقت الذي يبدأ فيه بقية العالم بالانتعاش, كما تصور رؤية ميلتزر سوف يقل خطره عن وقوع الولايات المتحدة في الركود حينما يعاني العالم كله من تباطؤ كما أنه إذا لم تفلح البلدان الأخرى بتحقيق الانتعاش قريباً فسوف تتضاءل مخاطر التضخم. ولقد توقع الاقتصاديون مؤخراً في الحقيقة تفاقم التضخم بنسبة أكبر مما حدث فعلاً. ولم تتعد نسبة ارتفاع مؤشر الاسعار الاستهلاكية العام الماضي 6.1% والأجور آخذة بالارتفاع بصورة أسرع قليلاً من العام الماضي. غير أن الشركات فيما يبدو لن تستطيع تمرير مسألة رفع الأجور في ظل أسعار أكثر ارتفاعاً, والافتقار الى قوة تسعيرية, يبين كذلك ان الضعف قد بدأ يدب في أوصال الاقتصاد. ان المعدلات المنخفضة سوف تؤمن لنا سياج حماية الى حد ما من الاسواق البائسة الأداء, في حين تقدم لتلك الأسواق بعض العون من خلال مستورداتنا إلا ان المعدلات المنخفضة ليست بالوصفة السحرية على أية حال بيد أنها في الآونة الراهنة الوصفة الوحيدة في متناول يدنا ويلوح بعض الانفراج من ثناياها لذا فما علينا سوى المبادرة بالأخذ بها. خاص بـ(البيان) خدمة (واشنطن بوست)