تعتبر الكارثة الآسيوية التي تنتشر الآن بشكل متسارع لتصبح ازمة عالمية, شأنا ماليا محضا, فقد كانت لها آثار مدمرة على ملايين البشر وشؤونهم المعيشية اليومية, والاسوأ من ذلك ان الفقراء هم الذين تحولوا الى وقود هذه المحرقة . ويفقد 1500 عامل وظائفهم في اندونيسيا يوميا خلال هذا العام, كما ان الفاقة طحنت هؤلاء البشر بمظاهرها المؤلمة المعتادة من الجوع, الاضطراب الاجتماعي, العنف وانتهاك حقوق الانسان, وعادت الدول النامية القليلة التي كانت قادرة على ان تؤثر في اولويات العالم وسياساته لتقع في شرك الجمود والمصاعب. ولذلك فإنني ارى وجوب ان تكون الابعاد الانسانية, بما في ذلك التحرر من عبء الديون, محور اي جهد يبذل لمعالجة آثار اكبر كارثة يتعرض لها نظام العولمة. ولايزال دور الدول الصناعية السبع الكبرى ووزراء المال والمصارف المركزية في العالم, بالطبع, امرا له اهميته الحاسمة. لكن ليس بامكان هؤلاء بمفردهم ان يقوموا بهذه المهمة, كما انهم يجب الا يتفردوا بها, لان المطلوب هو ان تتضافر كل فعاليات النظام الدولي لتحقيق هذا الهدف. وقد اقترح الرئيس الامريكي بيل كلينتون البدء باجراء مناقشات واسعة النطاق حول البنية المالية العالمية الجديدة. وربما يقول البعض ان ذلك ليس من شأن الامم المتحدة, حيث توجد هيئات دولية اكثر تخصصا, وربما اكثر قدرة ايضا على التعامل مع المشكلات الاقتصادية, مثل البنك الدولي, صندوق النقد الدولي, منظمة التجارة العالمية, وبنك التسويات الدولية, لكن هذا لاينفي ان الامم المتحدة في النهاية هي المنظمة التي ننتمي اليها جميعا, ويجب ان تكون الحاضر الدائم في اي مسعى من هذا النوع, كما ان الاستراتيجيات الاقتصادية والمالية لن يقدر لها النجاح الا اذا كانت قابلة للتطبيق في اطار سياسي واضح. وهذا الاطار سيكتسب دعما اوسع نطاقا بكثير اذا شاركت كل الدول المعنية بالامر في صياغته من خلال منظمة الامم المتحدة. وما اراه هو ان نظام العولمة سيكون تطورا ايجابيا على المدى الطويل فهو يقربنا من بعضنا البعض, ويزيد من مقدرتنا على التحكم ببيئتنا وتحسين ظروف حياتنا, لكن ما يحدث الآن هو ان جميع الاطراف لا تتلمس هذه المكاسب بالقدر نفسه, فالكثير من الناس يعتبرون ما قلته حول (المدى الطويل) امرا ابعد بكثير من ان يكون له مغزاه ولايزال الملايين من سكان هذا الكوكب يعيشون في عزلة عن غيرهم وعلى هامش الاقتصاد العالمي, كما ان الملايين غيرهم, والذين جربوا العيش في اجواء العولمة, لم يروا فيها فرصة جديدة تتاح لهم, وإنما قوة داهمة تهدد مستوياتهم المعيشية, الى جانب تهديدها لثقافتهم. ويضاف الى هذا ان بعض من استفادوا كثيرا من الاسواق المفتوحة وانسياب رؤوس الأموال يتعرضون الآن لمحنة قاسية, وهذا ما جعل التراجع الى مظلة القومية والافكار العقائدية شيئا شديد الجاذبية, ولحسن الحظ فإن هذه الحلول المزيفة قد جوبهت بالرفض في أغلب الدول النامية. وتحمل هذه الأزمة داخل كل دولة تعرضت لها ملامحها وأسبابها المحلية. وعلى كل منها ان تعالج مشكلاتها وعيوبها المحددة والخاصة بها, لكن الكثير من هذه الدول بحاجة لمد يد المساعدة لها الآن لأن هذه المشكلات تتجاوز كونها مشكلات مالية أو اقتصادية فقط, بل أفرزت عواقب سياسية واجتماعية عميقة, اضافة الى ان بعض أسبابها يكمن داخل النسيج السياسي والاجتماعي لهذه الدول, ومن واجب الأمم المتحدة الآن كمنظمة دولية ان تؤكد على الحاجة لحلول عالمية ترتكز على قواعد مقبولة للجميع. ومن واجبنا ايضا ضمان ألا تدير الأمم المتحدة ظهرها للقيم الدولية كرد فعل على هذه الأزمة. ومن مسؤوليتنا في ظل هذه الكارثة ان نتضامن لايجاد حلول تعتمد على المبادىء الراسخة والمشتركة بين كل دولنا الأعضاء, وهي بالطبع مبادىء الأمم المتحدة حول حقوق الانسان, هذا الى جانب مسؤوليتنا عن الحديث بوضوح عن الضحايا, فلا يمكننا ان ننسى تلك الدول في افريقيا وبقاع أخرى من العالم التي زادت ديونها من صعوبة مواجهة هذه الكارثة. وغالبا ما تُواجه فكرة اعفاء هذه الدول من ديونها على أرضية من (المخاطر الاخلاقية) , اذ يعتبر ذلك مكافأة للمتهورين وتكبيلا للحصيفين, ولكن أليس الدائنون هم غالبا من المتهورين وعديمي المسؤولية شأن المدينين سواء بسواء؟ ألا يفكرون في النواحي الاخلاقية عندما يصرون على دفع الفوائد والقروض كاملة حتى ولو كان نتيجة ذلك ان الاطفال الذين لم يكونوا قد ولدوا بعد حين توقيع عقود هذه الديون سيحرمون مما يسد الرمق من الغذاء أو من التعليم الابتدائي بسبب هذه الديون. ان الكثير من الأمم تشعر بأن مصالحها تتعرض للتجاهل والاهمال داخل المنظمات الاقتصادية المتخصصة, حيث تكون الأصوات المسموعة والمؤثرة هي أصوات الدول التي حققت نجاحا اقتصاديا في الماضي, وذلك لأسباب نعرفها جميعا, وفي المقابل تتيح الأمم المتحدة ساحة للحوار البناء بين كل من ضربته هذه الكارثة, كما ان عليها ان تمثل جميع أصحاب الرهانات والمصالح في الاقتصاد العالمي. ويتعين على الأمم المتحدة ان تقوم بدورها في البحث عن حلول فاعلة للحفاظ على مكاسب العولمة وحماية من عانى آثارها أو ترك وحيدا ومعزولا عنها. ولن يدّعي أحد منا انه قد تصرف بالأسلوب الأمثل خلال تعامله مع قضية العولمة, ولن أزعم ذلك باسم الأمم المتحدة, فكل منا يتحمل جانبا من المسؤولية عن الكارثة الراهنة, ولكننا بعملنا معا لايجاد مخرج منها, نستطيع ان نجعل من عملنا هذا أكثر مصداقية, مناسبة وشرعية في عيون السواد الأعظم من عالمنا. خاص بالبيان-خدمة لوس انجلوس تايمز