تأرجح موقف الرئيس الامريكي بيل كلينتون امس من حصار داخلي بلغ زاويته الحرجة بعرض شريط فيديو شهادته حول فضيحة مونيكا جيت عبر شبكات التلفزة العالمية والافراج عن اكثر من ثلاثة الاف وثيقة مرتبطة بالفضيحة الى تأييد خارجي تجسد في عاصفة تصفيق حاد استقبله بها رؤساء دول وحكومات وممثلو البلدان الاعضاء في الامم المتحدة . وبينما طالب جمهوريان من اعضاء اللجنة القانونية بتسريع اجراءات اقالة كلينتون عقب اذاعة شريط شهادته قال البيت الابيض ان اداء الرئيس لا يوجب الاقالة. وفيما تلجلج كلينتون عشرات المرات اثناء افادته المصورة كاسرا هيبة الرئاسة بدا في خطابه من على منبر المنظمة الدولية والذي تزامن مع بث شريط الشهادة متماسكا ودعا العالم الى وضع مكافحة الارهاب على رأس أولوياته وأكد في الوقت نفسه ان الارهاب ليس نتيجة صراع حضاري بين الاسلام والغرب. وبدا كلينتون خلال شهادته المهينة امام المحلفين وكأنه يرقص على رأس دبوس دقيق اثناء محاولته ايضاح مفهومه للعلاقة الجنسية التي اصر على ان غالبية الامريكيين يشاركونه اياه. وقدم شريط الشهادة الذي اذاعته شبكات التلفزة عبر العالم بعد طباعة تحذيرات من محتوياته الفاضحة, صورة جديدة للرئيس الامريكي... مراوغة حينا ومرتبكة احيانا اخرى... وعدوانية قليلا. واكتشف المشاهدون ومتابعو شبكة انترنت صورة لبيل كلينتون لم يروها من قبل اذ بدا بائسا ومحبطا وزائغ النظرات متشنجا مراوغا وفي بعض الاحيان غاضبا مدينا (الاستراتيجية التي تهدف الى الاساءة اليه سياسيا) , وبدا في بعض الاحيان مهموما من انعكاسات فضيحة مونيكا لوينسكي التي دافع عنها في شهادته بوصفها (فتاة طيبة لكنها لحوحة) . وفي بداية شهادته اقر كلينتون في بيان حضره مسبقا وقرأه على المدعين باقامته (علاقة حميمة في غير مكانها) مع المتدربة السابقة في البيت الابيض لكنه يؤكد انها لا تشكل بالنسبة له علاقة جنسية, لأنه لم يتم اتصال كامل بيد ان كلينتون رفض الدخول في التفاصيل مشددا في ذلك على حياته الخاصة وحرصه على المحافظة علي (هيبة) منصبه. لكن المدعين اصروا على اسئلتهم في هذا الخصوص, بينما دافع كلينتون عن نفسه فثار عليهم وابدى حنقه من اسئلتهم عن التفاصيل الدقيقة لعلاقته مع مونيكا. وفي احيان اخرى استبد الحرج بالرئيس وبدا اسفا على تلك العلاقة واضطراره للكشف عنها. اذ قال (ادفع اي مقابل في العالم حتى لا اضطر للاعتراف بما اشهد به اليوم) . وبينما كان الامريكيون منهمكين في متابعة شهادة كلينتون المهينة قامت مطبعة الحكومة الامريكية بتسليم الاف النسخ لنحو 3183 صفحة من الوثائق والصور المرفقة بتقرير المحقق المستقل كينيث ستار الى الكونجرس. وتشمل المرفقات الواردة في مجلدين ضخمين شهادات مونيكا لوينسكي امام المحلفين ايام 6 و20 وامام ستار في 26 اغسطس, فضلا عن صور لبيل كلينتون ولوينسكي ومخططات القاعات التي التقوا فيها في البيت الابيض ووثائق قانونية ومقالات صحافية عدة وكذلك وقائع المؤتمرات الصحفية التي عقدها كلينتون. وفي وقت خرج فيه غسيل البيت الابيض كله الى الملأ, دعا عدد من الاعضاء الجمهوريين في الكونجرس الى الاسراع في بدء اجراءات اقالة كلينتون. القوانين الفيدرالية. ولهذا السبب يجب الاسراع في فتح تحقيق لاقالته. واوضح بار عضو اللجنة القضائية التي ستقرر كيفية متابعة هذه المسألة ان ما فعله كلينتون هو (الكذب تحت القسم) . وكان كلينتون اكد في شهادته انه لم تكن هناك علاقات جنسية مع لوينسكي. ومن جهته, قال عضو آخر في اللجنة القضائية هو جيمس سنسنبرنر ان اللجنة ستطلب بالتأكيد من المجلس النيابي السماح ببدء تحقيق رسمي (لاقالة الرئيس من اجل تسريع الاجراءات والانتهاء بأقصى سرعة ممكنة) . وقال انه متأكد من ان مجلس النواب سيعطي الضوء الاخضر لبدء الاجراءات قبل نوفمبر. بيد ان البيت الابيض قال ان شهادة كلينتون تظهر بوضوح ان تصرفه لا يشكل جرما يبرر اقالته. وفيما كان كلينتون يصارع من اجل البقاء بالداخل الامريكي, فانه حظي بمساندة علنية من رؤساء دول وحكومات العالم الذين يشاركون في افتتاح اعمال الجمعية العامة للامم المتحدة. ووقف رؤساء الدول والحكومات في قاعة الجمعية العامة واخذوا في التصفيق لمدة طويلة للرئيس الامريكي في اللحظة نفسها التي كانت محطات التلفزة تبث فيها شهادته. ووقف الرئيس الذي فوجىء بالترحيب ورد بانحناءه من الرأس على التصفيق الحار بعدما كان جالسا على المنصة الرئيسية وفقا للبروتوكول في انتظار استدعائه لالقاء كلمته, وبدأ بعد ذلك خطابه الذي خصصه بشكل رئيسي لمكافحة الارهاب. وقال كلينتون في خطابه ان مكافحة الارهاب (هي واجب جماعي) لكل دول الارض. وقال (انه لخطأ جسيم اعتبار ان الارهاب هو مشكلة امريكية فقط واصفا اياه (انه تهديد لكل البشرية) مذكرا بسلسلة اعتداءات ارتكبت في الاعوام الماضية من بينها استخدام غاز السارين في مترو طوكيو وانفجار سيارة مفخخة امام مقر رابطة يهودية في بيونس ايريس. مشيرا الى انه (بالرغم من كل الجهود الرامية الى محاربته فان الارهاب ليس على وشك الزوال في نهاية القرن العشرين) . وطالب كلينتون بعدم (ايواء) الحركات الارهابية وتعزيز مراقبة تنقل رؤوس الاموال المشبوهة للحؤول دون تمويل هذه الحركات وتسهيل تسليم المسؤولين عن الاعتداءات وتحسين الامن في المطارات. ورفض ايضا اي تبرير ديني للارهاب وحاول مرة جديدة اقناع العالم الاسلامي بان امريكا ليست في حالة حرب ضد الاسلام. وطالب بعدم التعاطي مع هذه المشكلة (كنزاع بين الحضارات وانما كنزاع بين قوى الماضي وقوى المستقبل, بين الامل والخوف) . واضاف (فيما يتعلق بالارهاب يجب الا يكون هناك اي تفرقة بين المسلمين واليهود, البروتستانت والكاثوليك, الصرب والالبان, الامم المتطورة والنامية) معتبرا ان (الخط الفاصل الوحيد هو بين الذين يمارسون الارهاب او يدعمونه او يتسامحون معه والذين يدركون انه ينطوي على جريمة صرفة) . ومضى كلينتون إلى القول (يعتقد البعض ان السبب الرئيسي للارهاب هو في الاساس صراع لا مفر منه بين الحضارات .. بين الحضارة والقيم الغربية والحضارة والقيم الاسلامية, واعتقد ان في هذه النظرة خطأ فادحاً) . وقال كلينتون انه في حين قد يستغل البعض اي دين لتبرير الوسائل التي يلجأون اليها لتحقيق اهدافهم السياسية (حتى القتل العمد) , فان (هذا ليس مفهوم الاسلام لدينا) . ــ الوكالات