دخلت روسيا امس مرحلة المغامرة السياسية بعد فشل مفاوضات المائدة المستديرة بين الكرملين وزعماء الكتل البرلمانية لتمرير ترشيح رئيس الوزراء المكلف فيكتور تشيرنوميردين الذي رفض مجلس النواب(الدوما)ترشيحه للمرة الثانية لكن الرئيس الروسي بوريس يلتسين تعهد باعادة ترشيحه للمرة الثالثة, واقترحت المعارضة الشيوعية يفجيني بريماكوف لرئاسة الحكومة بديلا عن تشيرنوميردين . ومع استمرار الازمة السياسية وتصاعد الازمة الاقتصادية بهبوط جديد للروبل تدخل روسيا مرحلة المجهول حيث يحق للرئيس حل الدوما والدعوة لانتخابات نيابية مبكرة اذا رفض ترشيح تشيرنوميردين للمرة الثالثة وفي المقابل وحسب الدستور, فإن الدوما الذي يسيطر عليه الشيوعيون يستطيع حماية نفسه من قرار الرئيس بحله اذا بدأ باجراءات اقالة الرئيس وهو ما هدد به الشيوعيون. وعلق تشيرنوميردين على موقف الدوما برفض تعيينه في تصريح نقلته وكالة (ايتار ــ تاس) قائلا ان (الازمة (التي تعيشها روسيا) لا تهم النواب. نشهد مساومات بينما البلد في وضع بالغ الخطورة) . وقد خسر الروبل 70% من قيمته مقابل الدولار منذ 17 اغسطس الماضي وتراجع سعره الرسمي امس الى 18,9 روبلا للدولار, بتراجع 10,11% عن اقفال الجمعة. ويرى المحللون انه لا يمكن وقف هذا الانهيار طالما ظلت البلاد من دون حكومة. وطلب الشيوعيون وهم أكبر قوة في الدوما المؤلف من 450 مقعدا ومجموعات معارضة اخرى من تشيرنوميردين سحب ترشيحه قبل التصويت. غير ان تشيرنوميردين الذي عمل رئيسا للوزراء خمسة أعوام تشبث بموقفه ووجه اللوم للنواب بسبب ابقائهم البلاد في حالة من الشلل أثناء أزمة اقتصادية غير مسبوقة. وقال تشرنوميردين لنواب الدوما قبيل الاقتراع (في اندونيسيا وصلوا الى درجة احراق البلاد بأسرها) في اشارة الي أعمال الشغب التي نشبت بسبب الازمة في اندونيسيا أوائل هذا العام. وقال (حرقوا البلاد كلها. وهذا هو الوضع الذي نسير صوبه. هذا ما تدعون اليه. وهذا ما تريدوننا ان نصل اليه) . وحول موقف يلتسين بعد رفض الدوما قال متحدث باسم الكرملين ردا على سؤال بواسطة الهاتف لوكالة فرانس برس ان لا معلومات لديه حول نوايا الرئيس الروسي. وينص الدستور على ان يقوم الرئيس بحل مجلس النواب في حال رفض مرشحه لرئاسة الوزراء ثلاث مرات. الا ان النواب يمكنهم ان يقطعوا الطريق على يلتسين من خلال اطلاق اجراء لاقالته خلال الاسبوع الجاري. ويتعين الحصول على موافقة 300 نائب لهذه الخطوة التي من شأنها منع الرئيس من استخدام حق الفيتو طوال شهرين. واعتبر الكسندر شوكين, رئيس مجموعة النواب الموالين للحكومة من تشكيل (بيتنا روسيا) , ان (سيناريو المواجهة محتمل اذ يمكن ان يقترح يلتسين ترشيح تشيرنوميردين للمرة الثالثة وان يباشر مجلس الدوما ابتداء من الاربعاء باجراء الاقالة للتأكد من انه لن يتعرض للحل) . وروسيا من دون حكومة منذ 23 اغسطس الماضي حين اقال يلتسين الحكومة السابقة اثر هبوط قيمة الروبل. وحصل تشيرنوميردين هذه المرة على اصوات اكثر من تلك التي حصل عليها في الدورة الاولى والتي لم تتجاوز 94 صوتا. وقد تحقق هذا التحسن بفضل تأييد نواب القومي المتطرف فلاديمير جيرينوفسكي الذين ضموا اصواتهم الى نواب (بيتنا روسيا) والى جزء من نواب (مناطق روسيا) (وسط اليمين). غير ان الشيوعيين وحلفاءهم الذين يتمتعون باغلبية نسبية مع امتلاكهم 213 مقعدا من اصل 450 ظلوا على موقفهم الرافض. من جانبه أكد رجل الاعمال الملياردير الروسي بوريس بيريزوفسكي, الذي تقول الصحف بانه يتمتع بنفوذ كبير على السلطة, ان يلتسين سيقترح على مجلس الدوما مرة ثالثة ترشيح تشيرنوميردين لمنصب رئاسة الوزراء. ونقلت وكالة (انترفاكس) عن بيريزوفسكي قوله قبل ساعات من بحث النواب ترشيح تشيرنوميردين للمرة الثانية (في حال رفض الدوما ترشيح تشيرنوميردين فان يلتسين سيقدم ترشيحه مرة ثالثة (...) انني واثق من ذلك تماما) . وطرح زعيم الحزب الشيوعي جينادي زيوجانوف اسم بريماكوف بين ستة اسماء اخرى لشغل هذا المنصب موضحا انه عرض هذه الاسماء في وقت سابق امس على الرئيس بوريس يلتسين. ورفض يلتسين هذه الاقتراحات واصر على ترشيح تشرنوميردين الذي رفض مجلس الدوما امس للمرة الثانية تعيينه رئيسا للوزراء. ويشغل يفجيني بريماكوف (67 عاما) منصب وزير الخارجية منذ العام 1996 بعدما كان مديرا لاجهزة الاستخبارات الخارجية (اس في ار) بين 1991 و1996. ويلقى بريماكوف تقديرا في صفوف المعارضة الشيوعية بسبب موقفه الصلب حيال الولايات المتحدة. وكان بريماكوف عضوا في المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي من 1989 الى 1990. وقبيل جلسة تصويت الدوما فشل يلتسين وممثلو البرلمان والنقابات الذين التقوا صباح امس حول طاولة مستديرة في تجاوز الخلاف القائم حول تشكيل حكومة جديدة في الوقت الذي واصل الروبل انهياره وادى الى سقوط ضحية جديدة هو حاكم البنك المركزي الذي قدم استقالته. ونقلت وكالة انترفاكس عن الناطق باسم الكرملين سيرجي ياسترجمبسكي ان يلتسين اقترح على النواب تثبيت رئيس الوزراء المعين فيكتور تشرنوميردين في منصبه لفترة تجربة تتراوح بين 6 و 8 اشهر. وقالت انترفاكس ان يلتسين تقدم بهذا الاقتراح صباح امس خلال مفاوضات حول طاولة مستديرة ضمت قادة الكتل البرلمانية المعارضة لترشيح تشرنوميردين. كما وقع بوريس يلتسين امس اتفاقا سياسيا يحد من صلاحياته في تشكيل الحكومة ومراقبة اعمالها, حسبما نقلت وكالة ايتار ــ تاس عن المتحدث باسم الكرملين سيرجي ياسترجمبسكي. وقال ياسترجمبسكي ان الرئيس يلتسين وقع ايضا على صيغة معدلة لقانون ينص على توسيع صلاحيات مجلس الوزراء, ارسلت الى مجلس الدوما. وكان الحزب الشيوعي الذي يسيطر على الدوما رفض الاتفاق السياسي الذي ابرم بين الحكومة والبرلمان في 30 اغسطس الماضي وحظي بموافقة يلتسين, مما ادى الى اثارة الشكوك في امكان تنفيذه. من جهة اخرى احتشد مئات الاشخاص بعد ظهر امس امام مقر مجلس الدوما وهم يهتفون بشعارات معادية لتشيرنوميردين. وافاد مراسل وكالة فرانس برس ان المتظاهرين رفعوا الاعلام الحمراء وسط هتافات (لا تمسوا الدوما) او (تشيرنوميردين سارق روسيا) . وفي هذه الاثناء وزع متظاهرون اخرون مناصرون لحزب (روسيا العمل) اليساري المتطرف منشورات تدعو الشعب الروسي للنزول الى الشارع في 14 سبتمبر مهما كانت نتيجة التصويت. الوكالات