اقتربت روسيا اكثر نحو حافة الانهيار الشامل والفوضى السياسية والاقتصادية بعد ان رفض مجلس النواب الروسي (الدوما)تعيين فيكتور تشيرنوميردين رئيسا للوزراء بأغلبية ساحقة بلغت253صوتا مقابل94صوتا من جملة450مقعدا بعد مناقشات عاصفة لمدة ثلاث ساعات . وصعدت المعارضة الشيوعية حملتها واتهمت تشيرنوميردين بدفع روسيا نحو الانهيار ابان حكومته السابقة, والافتقار لبرنامج محدد. وطالب جينادي زيجانوف زعيم الشيوعيين الجيش الروسي بحماية (واحة الشرعية) الوحيدة في البلاد, محذرا من سيطرة المافيا المسلحة حال حل البرلمان, أو لجوء يلتسين إلى استخدام القوة. ورد الرئيس الروسي يلتسين متحديا البرلمان بإعادة ترشيح تشيرنوميردين للتصويت امام البرلمان مرة ثانية, وفتح الطريق امام حل البرلمان إذا ما تكرر رفضه. الا ان النواب الروس لم يلقوا بالا لتحذيرات تشيرنوميردين قبل جلسة التصويت امس من ان روسيا على شفا انهيار شامل ما لم يتم تشكيل الحكومة. وألقت الازمة الروسية بظلال شك على جدوى القمة الروسية الامريكية اليوم, التي دعا السيناتور دوايت جنجريتش رئيس مجلس النواب الامريكي إلى الغائها لأنها عديمة الجدوى, و قمة (الضعيفين) كلينتون ويلتسين. واعتبر البيت الابيض ان رفض تعيين تشيرنوميردين لن يؤثر على القمة. واستبق كلينتون زيارته لموسكو اليوم بالتحذير من عودة روسيا إلى الحكم الشيوعي داعيا إلى مواصلة طريق الاصلاح ومتعهدا باستمرار الدعم الامريكي. وتلقى يلتسين دعما من الاتحاد الاوروبي عبر مكالمة هاتفية دامت عشرين دقيقة اجراها رئيس الوزراء البريطاني توني بلير رئيس الدورة الحالية للاتحاد. وانقسمت اراء الاتحاد الاوروبي حول عقد قمة طارئة لمجموعة السبع لانقاذ روسيا. وحذر تشيرنوميردين قبل التصويت الذي خذله بعنف من ان روسيا (على شفير الانهيار الاقتصادي والسياسي) . وقال تشيرنوميردين في الخطاب الذي نقله التلفزيون مباشرة ان (على الحكومة العمل, ومن المستحيل الاستمرار في تأخير العملية (تشكيل الحكومة) ولا يمكن للبلاد ان تبقى بدون حكومة لوقت اطول) . واعترف تشيرنوميردين متحدثا عن ادارته بان (الحكومة السابقة ارتكبت اخطاء) , وقال (انني اتحمل مسؤولية) ومسؤولية كبيرة عما قامت به الدولة. واضاف انه تولى السلطة في 16 ديسمبر 1992 في وقت كانت فيه اشياء عدة قد بدأت فعلا, مبرئا نفسه من نتائج اسلوب العلاج بالصدمة الذي اعتمده الليبرالي ايجور جايدار في مطلع 1992. من جهة اخرى اكد انه لم يعلن خلال ولايته اي خفض لقيمة العملة أو اتفاق لتأجيل ديون الدولة. واضاف تشيرنوميردين ان (من الممكن وقف الازمة عبر جهود مشتركة وهذا ما سنخصص له وقتنا طوال الاسبوع المقبل) , في اشارة إلى المفاوضات التي عقدها مع النواب قبل بضعة ايام. واعلن ان (الوضع اليوم دقيق والاولوية يجب ان تكون لخفض الخسائر الناجمة عن الازمة) , مؤكدا انه (في الساعات المقبلة سيتم انشاء آلية لضمان الودائع المصرفية, يجب الا نعترف بانهيار النظام المصرفي) . واكد تشيرنوميردين انه لن يكون (هناك عودة الى وضع 1992-1994) مؤكدا ان (اولوياتنا اليوم هي تعزيز الروبل والرواتب ومتأخرات التقاعد وودائع الافراد) . وكان الكرملين قد اتهم الدوما باثارة اضطرابات عامة وقالت حكومات غربية انها تخشى ان تؤثر على اسواقها المالية. وعرض الدوما تأجيل الجلسة لاجراء مزيد من مناقشات. وقال جينادي سلزنيوف رئيس الدوما للصحفيين قبل بدء الجلسة مباشرة (ناقشنا امكانية تأجيل الجلسة واجراء المزيد من المشاورات لكن الرئيس اصر على ان يتم بحث ترشيح تشيرنوميردين. وتشعر المعارضة اليسارية والليبرالية التي يؤرقها الدستور الذي يمنح الرئيس سلطات واسعة ان لديهم فرصة جيدة للاطاحة بيلتسين. وقال جريجوري يافلينسكي زعيم حزب يابلوكو الحر والذي ابدى في وقت سابق استعداده لتولي رئاسة الوزراء (اعتقد ان القرار الذكي الذي يجب ان يتخذه الرئىس هو اعادة التفكير في قراره السابق بعدم الاستقالة) . وقال الكسندر كوتينكوف ممثل يلتسين في الدوما انه يبدو ان الشيوعيين يرغبون في حل مجلس النواب واجراء انتخابات برلمانية مبكرة اعتقادا منهم بان الشعور المناهض للكرملين بسبب ازمة روسيا الاقتصادية سيؤمن لهم المزيد من الاصوات. وقال جينادي زيوجانوف رئيس الحزب الشيوعي في وقت سابق امس اثر لقاء بين تشيرنوميردين ونواب من الحزب الشيوعي وحزب اجراريان (الزراعيين) وحزب سلطة الشعب ان (تشيرنوميردين لايملك برنامجا ولا فرصة حقيقية لتشكيل فريق لان 90 في المائة من الروس لا يثقون به) . وقال زيجانوف ان حل الدوما سيكون (مأساة للجميع) ووصف البرلمان بانه (آخر جزيرة صغيرة للقانون) في روسيا. وقال زيجانوف امام مجلس الدوما موجها حديثه للجيش (اتوجه اليكم جميعا وخصوصا الى الذين يحملون نجوما على اكتفاهم: إن واحات الشرعية القليلة المتبقية في هذا البلد هي هنا, في مجلس الدوما ومجلس الاتحاد) . وتابع الزعيم الشيوعي يقول (اذا سمحتم بتدمير (هذه الواحات) ستجدون انفسكم مع عصابات مسلحة لايمكن السيطرة عليها) . وزاد استياء المعارضة بعد تصريحات رجل الاعمال بوريس بيريزوفكسي المقرب من تشيرنوميردين الذي قال ان (تشيرنوميردين سيصبح رئيسا للوزراء بغض النظر عن طريقة تصرف الدوما) ولم يوضح بيريزوفسكي كيف سيتم تجاوز الدوما مع ان الدستور ينص على موافقته. واعلن الكرملين ان يلتسين عرض مجددا على مجلس الدوما (النواب) ترشيح تشيرنوميردين لمنصب رئيس الوزراء. وفي حال تكرار رفضه ثلاث مرات فيجب على يلتسين حسب الدستور حل المجلس والدعوة لاجراء انتخابات جديدة خلال اربعة اشهر. وفي اول رد فعل امريكي اعتبر احد الناطقين باسم البيت الابيض في موسكو ان رفض البرلمان تعيين تشيرنوميردين (لن يترك اثرا كبيرا) على القمة الامريكية الروسية التي تبدأ اليوم الثلاثاء في موسكو. واعلن بي. جي كراولي المتحدث باسم البيت الابيض (أنها مسألة روسية داخلية ويجب الا تترك اثرا كبيرا على القمة) . واشار الى ان واشنطن كانت تتوقع هذا الرفض. وقبيل ساعات من مغادرته الى موسكو للقاء القمة مع بوريس يلتسين, اكد الرئيس الامريكي بيل كلينتون ان روسيا (يجب ان تستمر على طريق الاصلاحات) وان على الولايات المتحدة ان تساعدها. ورغم مطالبة جنجريتش بالغاء القمة أكد كلينتون أن زيارته لروسيا فى الوقت الراهن فى غاية الأهمية نظرا للأزمة الاقتصادية الطاحنة التى تمر بها موسكو .. مشيرا الى أن الولايات المتحدة تعلمت من الماضى أن المشكلات التى تظهر خارج حدودها سوف تصل الى أعتابها ان عاجلا أم أجلا اذا لم تسارع بمساعدة أصدقائها وجيرانها فى معالجة هذه المشكلات. وقال كلينتون في كلمته بمدينة هيرندون بولاية فيرجينيا بمناسبة بدء العام الدراسى نقلتها شبكة سى ان ان الأمريكية ان الشعب الروسى يستحق الاشادة والتقدير لاعتناقه الديمقراطية وتخليه عن النظام الشيوعى القديم غير أن البلاد تواجه حاليا مشكلات التحول من نظام لآخر. ومضى الرئيس الأمريكى قائلا, انه سيبلغ الروس بأن الحل السليم لمعالجة المشكلة ليس هو الحل السهل لأن العودة للنظام القديم غير ممكنة, ولكن الحل هو التشبث بنهج الاصلاح ومواصلة العمل على تحقيق الاستقرار وتعزيز الاقتصاد وانعاشه مشيرا الى أنه يتعين على الولايات المتحدة وبقية الدول الغربية القوية اقتصاديا مساعدة موسكو فى محنتها لأن ذلك فى مصلحة هذه الدول أيضا. وقدم بلير دعم الاتحاد الاوروبي لروسيا خلال اتصال هاتفي مع يلتسين امس واعتبر رئيس الوزراء الفرنسي ليونيل جوسبان امس في اثينا ان الأزمة الروسية ليست مشكلة مالية فقط (بل ايضا مشكلة نوع من التوازن السياسي الذي ينبغي اعادة تحديده) . واكد المستشار الالماني هيلموت كول انه من غير الضروري عقد قمة لمجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى لمناقشة الوضع في روسيا معتبرا في تصريحات امام الصحافيين ان قمة من هذا النوع (لن تقدم اي شيء على الاطلاق في الوقت الراهن) . واضاف ان تطور الوضع في روسيا (خطير) داعيا موسكو الى عدم التحرك على انفراد او عزل نفسها. وقال وزير الخارجية الفرنسي هوبير فيدرين ان (الاراء منقسمة) بشأن ضرورة عقد قمة عاجلة لمجموعة الدول الصناعية الكبرى السبع بناء على طلب اليابان للبحث في الازمة الروسية وتراجع الاسواق المالية. واوضح فيدرين ان (مشاورات تجرى) حول الازمة مضيفا ان المستشار الالماني هيلموت كول لا يرى على ما يبدو (جدوى) في اجتماع (على هذا الشكل) . وجاءت تصريحات فيدرين في ختام غداء عمل مع نظيره الهولندي يوزياس فان ارستين. وكان رئيس وزراء اليابان كييزو اوبوشي اقترح على نظيره البريطاني توني بلير خلال اتصال هاتفي بينهما امس الاحد, عقد اجتماع بين كبار المستشارين وممثلي قادة الدول الصناعية الكبرى السبع. ـ الوكالات