دخلت الازمة الروسية منحى جديدا امس حيث اقر الكرملين مبدأ تقليص سلطات الرئيس بوريس يلتسين الذي كان قد عرض التنازل عن بعض سلطاته لرئيس الوزراء والبرلمان , وفيما تعهد فيكتور تشيرنوميردين القائم باعمال رئيس الوزراء الروسي بعدم العودة الى العهد السوفييتي فقد شكل في الوقت ذاته فريق عمل لمواجهة الازمة المالية, وفي تطور آخر دعت لندن دول مجموعة السبع الى بحث الازمة الروسية وسط مخاوف من تأثيراتها على مستقبل الاصلاحات الاقتصادية والسياسية المتبعة في روسيا, وسط توقعات بأن تطغى الازمة على برنامج قمة يلتسين مع الرئيس الامريكي بيل كلينتون بعد غد في موسكو, فيما حذر المستشار الالماني هيلموت كول من أن الازمة قد تفضي الى مشاكل كبيرة في العلاقات المالية الدولية. وعقد الكرملين امس السبت اتفاقا مؤقتا مع البرلمان الروسي يقر للمرة الاولى مبدأ الحد من السلطات الرئاسية لصالح البرلمان والحكومة كما صرح رئيس اللجنة المكلفة وضع صيغة هذا الاتفاق اوليغ موروزوف. ونقلت وكالة ايتار ــ تاس عن موروزوف زعيم مجموعة (مناطق روسيا) البرلمانية ان اللجنة الرباعية (الحكومة والرئاسة ومجلسي البرلمان) (اتفقت على النقاط الرئيسية لاتفاق سياسي بين اجنحة السلطة) . ومن المتوقع ان يفتح هذا الاتفاق الباب امام تصويت الدوما (مجلس النواب) على تعيين تشيرنوميردين فى منصب رئيس الوزراء. ومن المقرر ان يتم بحث هذا الاتفاق في وقت لاحق من قبل رؤساء المجموعات البرلمانية ورئيس الدوما ورئيس الوزراء المعين فيكتور تشيرنوميردين ورئيس الادارة الرئاسية فالنتين ايوماتشيف. وينص البند الاول للاتفاق على توسيع سلطات الرقابة للبرلمان على الحكومة وعلى استقلالية اكبر لمجلس الوزراء بالنسبة للرئاسة. وقال موروزوف (الكل متفق على ضرورة تغيير القانون الحالي المتعلق بالحكومة بهدف توسيع صلاحيات البرلمان فى مجال مراقبة النشاط الحكومي وفى الوقت نفسه توسيع سلطات مجلس الوزراء فى تنفيذ مهامه) . ويؤكد هذا الاتفاق على ما يبدو الصفقة التى عقدها فيكتور تشيرنوميردين مع الرئيس يلتسين عندما قبل الاحد الماضي تولى منصب رئيس الوزراء. فقد المح تشيرنوميردين انذاك الى انه حصل على موافقة على بياض من الرئيس لتشكيل حكومته وعلى رسم سياستها. وكان الرئيس الروسي يحتكر حتى الان سلطات تعيين الوزراء واقالتهم. واعتبر النائب موروزوف ان الاتفاق الذي عقد أمس ينص ايضا على (مبدا آلية لتعديل الدستور) دون ان يحدد التعديلات المزمعة. واوضح ان بعض المسائل التى بحثتها اللجنة الرباعية كانت موضع خلاف. فقد طلب الشيوعيون خصوصا رقابة للدوما على الانشطة الدولية للرئيس لكنهم لم يحصلوا على مطلبهم هذا. ويأخذ الحزب الشيوعي على بوريس يلتسين توقيع معاهدة مع حلف شمال الاطلسي والموافقة على توسيع هذا الحلف ليشمل دولاً اوروبية شرقية من الكتلة الاشتراكية السابقة. وكان الكسندر كوتينكوف ممثل يلتسين في مجلس الدوما اعلن ان يلتسين عرض التخلي عن بعض سلطاته الاساسية لتشيرنوميردين والبرلمان. واضاف ان يلتسين مستعد لمنح رئيس الوزراء سلطة اختيار اعضاء حكومته واعطاء البرلمان كلمة اكبر في التعيينات الوزارية وانه مستعد ايضا لضمان عدم اقالة الحكومة لمدة عام. وفي محاولة لطمأنة صندوق النقد الدولي والغرب بشأن مستقبل الاوضاع في روسيا تعهد تشيرنوميردين بعدم التخلي عن برنامج الاصلاح الاقتصادي: واعلن ان روسيا اصبحت الآن جزءا من العالم الاقتصادي واستبعد احتمال العودة الى سياسات العهد السوفييتي. ونقلت وكالات انباء روسية عن تشيرنوميردين كذلك قوله انه ليس لديه خطط لانهاء قابلية الروبل الجزئية للتحويل ولكنه سيتخذ اجراءات لمنع هروب رؤوس الاموال خارج البلاد. وقالت وكالة ايتار تاس للانباء نقلا عن تشيرنوميردين (اننا بالفعل جزء من العالم الاقتصادي ولن تكون هناك عودة الى الماضي) . وتعهد تشيرنوميردين الذي يسعى لاقناع البرلمان بقبول تعيينه في منصب رئيس الوزراء وسط ازمة اقتصادية طاحنة تشهدها البلاد بحماية مدخرات المواطنين الروس التي تتاكل الان بسبب الانخفاض الحاد في سعر صرف الروبل. ونسبت تاس اليه قوله (اتخذنا قرارا بضمان ودائع المواطنين بالكامل0 وتعمل الحكومة والبنك المركزي على وضع الية لتنفيذ هذا القرار) . ونقلت وكالة ار اي ايه للانباء عن تشيرنوميردين قوله ان مجلس وزرائه لن يغلق مكاتب الصرافة لان هذا سيؤدي الى ايجاد سوق سوداء تتهرب من السلطات الضريبية0 وقال ان تفاصيل برنامجه الاقتصادي ستعلن في الايام القليلة المقبلة. وتأتي تعهدات تشيرنوميردين عقب تحذير صارم من صندوق النقد الدولي والولايات المتحدة من ان الغرب لن ينضم الى خطة انقاذ الاقتصاد الروسي اذا عدلت روسيا عن مسيرة اقتصاد السوق التي بدأتها منذ ستة أعوام. وتعزيزاً لخطته بمواجهة الازمة الاقتصادية قال متحدث حكومي امس ان تشيرنوميردين شكل مجموعة من اصلاحيين بارزين لاعداد اجراءات عاجلة لوقف الازمة المالية الحادة في البلاد . ويرأس المجموعة بوريس فيودوروف القائم بأعمال نائب رئيس الوزراء وتضم سيرجي دوبينين رئيس البنك المركزي وميخائيل زادورنوف القائم بأعمال وزير المالية. والثلاثة من الاصلاحيين البارزين المتمتعين باحترام الغرب. وفيما يشير الى تصاعد القلق الغربي من تطورات الأزمة الروسية اعلنت رئاسة الحكومة البريطانية ان رئيس الوزراء البريطاني توني بلير بدا امس السبت محادثات هاتفية مع قادة الدول الست الاخرى في مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى حول الازمة المالية التي لم يسبق لها مثيل في روسيا. وجاءت هذه المبادرة في وقت يزداد قلق الغربيين حيال مستقبل الاصلاحات الاقتصادية والسياسة المتبعة في روسيا اثر تعيين فيكتور تشيرنوميردين لتولي منصب رئيس الوزراء. واوضح مكتب بلير الذي تتولى بلاده رئاسة مجموعة السبع حتى نهاية العام الحالي ان (رئيس الوزراء بدأ حوالى الساعة 14,00 بالتوقيت المحلي (13,00 ت ج) سلسلة محادثات هاتفية) مع قادة الدول الصناعية الكبرى. واوضحت رئاسة الحكومة البريطانية ان الهدف من هذه المحادثات هو (تقويم الوضع (في روسيا) وتبادل الاراء) , مشيرة الى انه ليس مقررا عقد قمة لمجموعة السبع حول روسيا في الوقت الحاضر. لكن احد المتحدثين باسم رئاسة الحكومة اضاف ان دول مجموعة السبع سبق واجرت اتصالات (على مستوى رسمي) بخصوص تدهور الوضع في روسيا, مشيرا الى ان هذه الاتصالات (تظهر ان هناك اتفاقا عاما للقول بان عملية الاصلاحات يجب ان تستمر لحل الازمة) في هذا البلد. وبدأت هذه المشاورات غداة النداء الذي وجهه وزراء مالية الدول الاوروبية الاعضاء في مجموعة السبع لدعم (متابعة عملية الاصلاح في روسيا في رسالة موجهة الى تشيرنوميردين. فقد دعوا الى(اعتماد نظام ضرائبي عادل لتعزيز اسس مالية الدولة) وطلبوا من رئيس الوزراء الروسي المعين (اتخاذ اجراءات لاعادة استقرار النظام المالي) و(ليتمكن البنك المركزي الروسي من اتباع سياسة نقدية مستقلة وموجهة نحو الاستقرار) . ويتوقع ان تطغى الازمة المالية والسياسية الروسية على برنامج القمة التي تجمع يومي الثلاثاء والاربعاء بين كلينتون ويلتسين في موسكو, ويعتبر محللون ان كلينتون لن يحمل أية هدية الى نظيره الروسي. وكانت القمة مخصصة اصلا لمسائل السياسة الدولية او الثنائية مثل اتفاقات نزع الاسلحة الامريكية الروسية (ستارت 2) التي لم يقرها مجلس الدوما بعد والاختلافات القائمة بين البلدين حول ادارة الازمة في كوسوفو. لكن يبدو الان ان الازمة التي لم تشهد روسيا لها مثيلاً من قبل ستسيطر على الارجح على مجريات هذا اللقاء. ويضاف الى الازمة الاقتصادية التي تزعزع استقرار الاسواق المالية الدولية, ازمة سياسية لم تشهدها روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفييتي العام 1991 قد تدفع واشنطن الى التشكيك باستمرارية الرئيس يلتسين في منصبه وبالسياسة الاقتصادية التي سيتبعها رئيس الوزراء الروسي المعين فيكتور تشيرنوميردين. وفي بون نقل عن هيلموت كول امس قوله ان أزمة روسيا السياسية والاقتصادية قد تفضى الى مشاكل كبيرة في العلاقات المالية الدولية. وقال كول لصحيفة فيلت ام زونتاج انه تحدث الى الرئيس الفرنسي جاك شيراك والرئيس الامريكي بيل كلينتون ورئيس الوزراء الياباني كيزو اوبوتشي وانهم اتفقوا جميعا على ان حل الازمة الوحيد هو تطبيق اصلاحات عاجلة. كما وعد المستشار الالماني بمحاولة اقناع الرئيس الروسي بوريس يلتسين بان هذا هو الطريق الوحيد للحل. وجاء في تصريحات كول للصحيفة التي كشف عنها النقاب قبل النشر اليوم الاحد (وربما سنواجه مشاكل كبيرة في العلاقات المالية الدولية. والرئيس يلتسين يعلم هذا) . ونسب الى كول قوله انه لهذا سيتعين (علينا نحن الالمان وانا بصفة شخصية محاولة اقناع يلتسين وفريقه بانهم لن يستطيعوا تسوية الازمة دون اصلاحات) . واردف (لا يمكنهم ان يتوقعوا ان المجتمع الدولي سيعطيهم مزيدا من الاموال ما لم تلب شروط صندوق النقد الدولي) . ــ الوكالات